Archive for the 'لغط القول' Category



الكتابة كما يشتهيها جوزيف كونراد

نوم بعد مشقة ، ومرفئ بعد عاصفة ، ويسر بعد حرب ، وموت بعد حياة . تجلب أعظم السرور “.

هذه الكلمات تعتلي قبر الكاتب الأنجليزي جوزيف كونراد المتوفي في عام 1924 م. الكلمات التي ختم بها إحدى أواخر أعماله وطلب أن تكون على ناصية قبره.
جوزيف كونراد، من أعظم كتاب القرن العشرين والكاتب الوحيد الذي له 3 روايات في قائمة أعظم 100 رواية في القرن العشرين، شخصية فذة ومكافحة؛ إختار البحر وسرقته منها الكتابة. هذا ليس كل شيء. جوزيف كونراد الكاتب البريطاني ذو الأصول البولندية لم تكن اللغة الأنجليزية لغته الأم ولا لغته الثانية، لكنها اللغة الثالثة التي تعلمها في منتصف العشرينات من عمره ولم يمارس الكتابة إلا عندما أتم الثلاثين عاماً بقليل. إختار الكتابة بهذه اللغة الغريبة عنه ليصبح أكثر الكتاب تأثيراً في الحركة الحداثية في الأدب الأنجليزي قُبيل الحرب العالمية الأولى وليكون كاتباً تفوق على جميع كتاب جيله بخمس روايات تعتبر من الأعمال الخالدة في اللغة الأنجليزية التي تُدرس لطلاب الأدب الأنجليزي في أمريكا وبريطانيا، ثلاث منها من أعظم 100 رواية. هذا شيء يدفعك للتأمل حقاً. إنها معجزة بحق.

بدأ حياته بحاراً في الأسطول التجاري الفرنسي وهو ابن السادسة عشر ربيعاً في مدينة مارسيليا، بعد أن هُجر والديه من بولندا المستعمرة من قبل روسيا القيصرية إلى أوكرانيا وهو في الثالثة من عمره، تعلم الفرنسية في البحر، ثم إنتقل إلى الأسطول التجاري البريطاني بعد إصابته بطلق ناري كاد أن يودي بحياته. أمضى وقته في القراءة وسبر أغوار اللغة الأنجليزية على متن السُفن.

إنه الكاتب الذي يكتب “لمن لا صوت لهم”، تميزت كتاباتها بتعرية المستعمر الأوروبي وجشعه من أجل المال والسلطة والعراقيل التي تكون أمامه. بشخصيات تضحي بكل شيء من أجل المُثل العليا والمباديء. كتب عن البحر كما لم يكتب أحد آخر عنه. كتب عن الانسان وطموحاته وخيباته وكفاحه من أجل المباديء والبحث عن الإستقلالية والعيش بكرامة.

طريقته في الكتابة تميزت بحرصه على إختار الألفاظ الدقيقة في وصف الحدث، الحركة والإنفعال. ربما أنه يعود إلى أنه يتحدث أكثر من لغة فإختياره للفظ يكون بهذه الدقة المنتاهية. فمثلا بدلاً من أن يكتب: أحمد ذهب إلى السوق، يجعل الجملة أكثر دقة في وصف هذا الحدث البسيط إلى أحمد ذهب إلى السوق ماشياً أو مشى إلى السوق. وربما يكون أكثر دقة في وصفه إلى درجة أن يصف كيف كان أحمد يمشي، متخبطاً سريعاً ببطأ وهلمجرا.

الخاصية الثانية كثرة إستخدامة للنعوت حين يتطرق إلى تحليل الحدث بكل تفاصيله مما لا يدع مجالاً للقاريء بأن يخمن المجهول. قال عنه الكاتب البريطاني العظيم فورد مادوكس فورد أن كونراد حين يقوم بوصف حادثة قتل فإنه سيأخذك إلى أسبابها وعلاقة القاتل بالمقتول. سينتقل بك معه إلى الطريقة التي حصلت بها الجريمة وكيف طعن القاتل القتيل، وبأي يد كان يمسكها، وحدت السكين وشكلها وصانعها. وربما أنه يعود بك للوراء إلى الوقت الذي إشترى فيه القاتل السكين وشخصيته المضطربة والتي أثارت الشك في البائع. وما الذي دفع البائع إلى تجاوز شكوكه ليبيع هذه السكين له. وربما أنه يعود بنا إلى البائع وحالته المادية ومشاوراته مع العاملين معه حول بيع هذه السكين. إنتهى كلامه بتصرف كبير. جوزيف كونراد يحلل ويتعمق في الحدث بكل تفاصيله وحذافيره من أجل أن يقنع القاريء بما يكتبه. إنه من النوع من الكتاب الذين يحترمون القراء بشكل كبير ولا يدعون ثغرة واحدة في نصوصه تقع في دائرة الشك.

جوزيف كونراد لم يتخذ الكتابة عملاً أو هواية، لكنها كانت حياته التي أختارها. إنه شخص متفاني جداً في حبه للكتابة إلى الدرجة التي كان يجعل زوجته تغلق عليه باب مكتبه في الصباح والمساء ولا تفتح الباب إلا من أجل تناول وجبتي الغداء والعشاء ثم الذهاب إلى النوم. هذه الشخصية العظيم لا يمكن تجاهل مدى تفانيها وإخلاصها من أجل الكتابة الأدبية الإبداعية برغم أنه عاش فقيراً ولم يحضى بنصيب من الشهرة إلى في أواخر عمره. حيث كانت رواياته تناقش قضايا انسانية عميقة وتهاجم الإمبريالية الأوروبية وحب المال والتسلط وإستغلالها للشعوب الأخرى ونهب أموالها وممتلكاتها.

إنه يكتب كما لو أنه ينحت على الصخر، تقول أحدى الروايات التي ذكرتها زوجته أنه أمضى يوم كامل يراجع جملة واحد في رواية نوسترومو، لم يكن يراجعها من أجل تركيب الجملة أو كلماتها لكن من أجل الفاصلة. تقول زوجته أنه حذف الفاصلة في الصباح وأعادها في المساء. أو كما تقول الحكاية أنه في أحد الأيام سألته على وجبة الغداء ماذا فعلت اليوم فقال “حذفت فاصلة” بعد ذلك سألته على طعام العشاء ماذا فعلت فقال “أعدت الفاصلة”.

أهم رواياته :
ـ قلب الظلام

زنجي السفينة نرجس ـ 1897م.
ـ لورد جيم ـ 1900 م .
ـ نوسترومو ـ 1904 م.
ـ العميل السري ـ 1907 م .
ـ تحت عيون الغرب ـ 1911 م .
ـ الصدفة ـ 1913 م .
ـ النصر ـ 1915 م .
ومن مجموعاته القصصية :
ـ الشباب وقصتان أخريان 1902 م.
ـ العاصفة وقصص أخري 1903م .
ومن أعماله النثرية :
ـ سجل شخصي 1912 م.
ـ مذكرات عن الحياة والأدب 1921م .

أوفيليا

أوفيليا هي حبيبة هاملت والتي أصابها الجنون في القصة المشهورة لشكسبير. كتب الشاعر الكبير آرثر رامبو هذه القصيدة  تخليداً لها. هناك ترجمتين للقصيدة من الفرنسية على يد الأستاذ نضال نجار في موقع أدب، هناك شيء جعلني لا أستصيغها. وجدت هذه الترجمة لكاتب مغربي على مدونته مع تحليل ورحلة في تفاصيل القصيدة وترجمته لها.

أترك لكم القصيدة


في الموجة الهادئة التي تنام فيها النجوم
تطفو أوفيليا البيضاء مثل زنبقة عظيمة
تطفو ببطء شديد، راقدة في أشرعتها الطويلة
تسمع في الغابات النائية نفخات أبواق الصيد.
مضى أكثر من ألف عام وأوفيليا الحزينة
تمر، شبحا أبيض، عبر النهر الأسود
مضى أكثر من ألف عام وجنونها اللطيف
يهمهم بأغنية غرامية حين هبوب نسيم المساء.
يقبل الريح نهديها وينشر في تويجهما
أشرعته الكبيرة يهد هدها الماء بارتخاء؛ تنوح أكاليل الحداد المرتعشة على كتفها،
على جبهتها الحالمة تميل قضبان القصب.
يتنهد نبات النيلوفر المتجعد حواليها؛
أوفيليا تسهر أحيانا، في مغث ينام –
عش ما، تفر منه رعشة صغيرة من جناح
-أغنية مفعمة بالأسرار تسقط نجوما من ذهب.

-2-
أيا أوفيليا الباهته! أيتها الرائعة كالثلج بياضا !
أجل قدمت، صغيرة، بواسطة نهر سريع الغضب !
ذلك أن الرياح تسقط جبال النرويج الهائلة
وكانت قد همست إليك بالحرية القاسية؛
لأن نسمة ما، تفتل جديلتك الطويلة،
وإلى روحك كانت تحمل أصواتا غريبة؛
مع أن قلبك ظل يصغي إلى أنشودة الطبيعة
في شكاوى الشجر وتنهدات الليالي؛
لأن صوت البحار المجنونة، والصخب البالغ،
ظل ينهك صدرك الطفولي المفعم بالإنسانية والرقة،
ولأنه ذات صباح من أبريل، جلس فارس همام،
شاحب اللون، مجنون فقير، جلس صامتا فوق ركبتيك !
أيتها السماء ! أيها الحب ! أيتها الحرية ! يا للحلم، أيتها المجنونة البئيسة !
مازلت تذوبين للحبيب مثل ثلج على النار:
خيالاتك الواسعة تخنق كلامك
عينك الزرقاء يروعها الخوف اللامنتهي !
-4-
-والشاعر يقول إنك تبحثين منذ قليل،
أثناء الليل عن الزهور التي قطفتها لاشعة النجوم؛
والتي رأت على الماء، راقدة في أشرعتها الطويلة،
أوفيليا البيضاء تطفو، مثل زنبقة عظيمة.

*ترجمة: محمد الإحسايني

أوفيليا هي حبيبة هاملت والتي أصابها الجنون في القصة المشهورة لشكسبير. كتب الشاعر الكبير آرثر رامبو هذه القصيدة  تخليداً لها. هناك ترجمتين للقصيدة من الفرنسية على يد الأستاذ نضال نجار في موقع أدب، هناك شيء جعلني لا أستصيغها. وجدت هذه الترجمة لكاتب مغربي على مدونته مع تحليل ورحلة في تفاصيل القصيدة وترجمته لها.

الحارس في حقل الشوفان

هناك رواية تخاطبك. رواية تقرأها وترافقك. تصاحبك فعلياً. تصاحب مخيلتك وتفكيرك. هناك رواية تقول عنها “يالله”. أقصد رواية تعيد قرائتها لأكثر من مرة وتحتفظ بها. ليس في مكتبتك لكن تضعها ضمن أُمهات الكتب التي تعيد قرائتها دائماً. تعود إليها وتحملها بين يديك مثل طفل رضيع. أعني أن تنظر إلى الرواية وتقول بينك وبين نفسك هذه روايتي بصوت خافت. هذه كُتبت لي. هذه ملك خاص بي. هذه الراوية تمثلني. تتصفحها مرة أخرى وتقرأ فيها لتجد مخرجاً من صخب الحياة ثم تضعها بجانب سريرك. ربما أنك تقول في قرارة نفسك أنني أهذي وأتكلم عن كتاب لا وجود له. لكنني أخبرك الحقيقة الآن! منذ المرة الأولى التي قرأت فيها هذه الرواية وأنا متيقن تماماً أنني وجدت الكتاب الذي أبحث عنه- هذا الشعور لا يعرفه إلا قاريء نهم. وأصبحت مهووساً بكاتبها جي دي سالينجر – J D Salinger- كان هذا في شتاء 2009 عندما تعرفت على هذه الرواية لأول مرة.رواية “الحارس في حقل الشوفان”. الرواية التي صُنفت ضمن قائمة أفضل 100 رواية في الأدب الأنجليزي الحديث وأهم الأعمال في القرن العشرين ومن أكثر الروايات تأثيراً في المجتمع الأمريكي. أعني أن الشباب الأمريكان المعارضين للحرب على فيتنام في الستينات كانو يرفعون لافتات تقول” أنا هولدن كولفيلد” هولدن الشخصية الرئيسية في الرواية.
نصحني بها أحد الأصدقاء. قرأتها في ليلة واحدة، إلتهمتها مثل وجبة شهية من مطبخ أمي العزيزة. قرأتها مرة ثانية بعد شهر من هذا وأنا في فرح وشوق لصفحاتها الساخرة وإسلوبها التهكمي. وضعتها جانباً مدة عام. كان يباغتني شوق لها كبير عالجته بقرائتي للعظيم “هيرمان هسه” وعدت إليها راكضاً من فلسفته وكلامه العميق إلى مغامرات “هولدن” الجريئة في نيويورك. وأخيراً رجعت إلى صفحات الحارس هرباَ من الواقع المر والزيف المستشري في المجتمع. سالينجر يعتبر أهم الكتاب الأمريكيين بعد إرنست همنغواي وأكثرهم تأثيراً في النثر والكتابة الإبداعية رغم أنه لا يوجد لديه إلا ثلاثة مجموعات قصصية صغيرة ورواية واحدة. وهذا يدل على قدرته الكتابية وشهرته الواسعة.
“الحارس في حقل الشوفان” رواية قصيرة جداً، في الأدب الغربي يسمونها ” Novella“ وتعني تصغير لكملة رواية- حقيقة لا أعرف كيف يمكن أن تصغيرها في اللغة العربية، لستُ ضليعاً في هذا. الرواية كتبها الروائي الأكثر عزلة في العالم جي دي سالينجر الذي توفي في العام المنصرم عن عمر يناهز 91 سنة قضى أغلبه في مزرعته معتزلاً الحياة الأجتماعية والأعلام والمعجبين. هذا الكاتب البديع والذي أسس نهجاً في الكتابة بعده أطلق عليه الكتابة الغاضبة. لم يترك وراءه إلا رواية واحدة وثلاث مجموعات قصصية. هذا يبدو قليلاً لكن ما لا يمكن أن تتخيله أن روايته الوحيدة “الحارس في حقل الشوفان” هي مقرر دراسي في أغلب الجامعات والمدارس الثانوية الأمريكية بالرغم من كونها ضمن قائمة عشرة كتب خاضعة للمراقبة في المكتبات والتعليم في العقدين المنصرمين. كتب عنها الكثير من الأغاني وحاول الكثير محاكاتها في طريقتها الساخرة. هذا أمر يدعو إلى التأمل.
أمر آخر عن هذه الرواية.الرجل الذي إغتال الرئيسي الأمريكي جون كينيدي، لي أوزولد كان يحمل الوراية معه. كذلك الذي إغتال مغني فرقة البيتلز جون لينون والرجل الذي أطلق النار على الرئيس الأمريكي رونالد ريغين كانا يحملا الرواية! وهو أمر يردده مناصري نظريات المؤامرة!
بالأمس إطلعت على الرواية بترجمتها العربية. قراءاتي الأربع السابقة كانت بالأنجليزية لكن هذه المرة وجدتها بالعربية. وأصدقكم القول بأنني إمتعضت من طريقة الترجمة، إنها جريمة حقيقية بحق هذا الكتاب العزيز على قلبي. ولا ألوم المترجم على هذا. الاستاذ “غالب هلسا” حاول جاهداً أن ينقل لنا رواية عظيمة لكنه فشل، حيث الرواية كُتبت باللهجة العامية الأنجليزية وهو أهم مايميزها مما يجعله أمراً صعبا ومعضلة أمام المترجم وهو الشيء الذي أوضحه الاستاذ غالب في مقدمته. وأستغرب أنه لا توجد أية ترجمات أخرى للعمل.
الرواية صدرت في عام 1951 ورافقها الكثير من اللغظ. قسمت المجتمع الأدبي إلى معسكرين بين رافض لها تماماً ومؤيد بعنف. الفكرة الخالصة بأنها تحمل الكثير من الألفاظ السوقية كان السبب الرئيسي لكل هذا. ففي طيات الرواية تجد كلمات مثل عاهرة وكلب ولغة عامية لم يعهدها المجتمع الأدبي الذي يُبجل اللغة الفصحى الانجليزية في تلك الأيام ويتعهد لها بالكثير. كانت بمثابة الصفعة القوية الموجهة له شخصياً. والأمر الثاني الذي وضعها على طاولة النقاش تركيزها على الشخصية الرئيسية وتفاعلاتها دون الإتكاء على الحدث الرئيسي في الرواية وأداوتها التقليدية. في حين أن الجميع يتفق على أن الرواية هي مثال يحتذى به في خلق شخصية مضطربة وقدرة سالينجر على رسمها بكل انفعالاتها وتطوراتها. إنها الرواية الأقدر في الحوار والسرد الذي يبهر القاريء ويجلعها من أكثر الكتب مبيعاً في التاريخ.
العنوان ” الحارس في حقل الشوفان” يعتبر من أجمل وأكثر العناوين التي تمثل النصوص الأدبية. إنه يختزل قصة الرواية ومشاعر بطلها في جملة واحدة. عنوان يحمل من البلاغة والإختصار الكثير لصفحات الرواية وأحداثها وشخصياتها. بطل الرواية “هولدن كولفيلد” وهمه الوحيد بأن يكون الحائط الصامد بين براءة الأطفال وزيف البالغين ونفاقهم. الحاجب الذي يعزلهم ببرائتهم وجمالهم عن قبح الحياة والتعامل مع الكبار المخدوعين بالمظاهر والمال والمغررين بخداع هوليوود وأفلامها البعيدة عن الواقع.
هي حكاية الأيام الثلاثة التي قضاها “هولدن” في هربه من مدرسته و سفره إلى مدينة نيويوك وهو في سن السابعة عشر قبيل عيد الميلاد. الأحداث التي دفعته إلى الأنهيار النفسي والعيش في مصحة نفسية. المصحة النفسية التي يخبرنا منها الأحداث الجنونية كما يصفها. هولدن مثل أي مراهق تعرفه، متمرد، مشاكس، ينظر للعالم بمثالية كبيرة، ويتطلع إلى صحبة الجنس الآخر. هولدن يتكلم بلغة المراهقين الخاصة، قاموس صغير من الكلمات التي تتكرر طوال الرواية ولا يعرف غيرها للتعبير عن أرائها. وهو يعترف لك في مقدمة الرواية أنه لا يملك الكثير من المصطلحات. مثل تكراره في كل صفحة من الرواية لـ ” and all“ والتي تعني وهالشغلات أو هالأشياء أو كذا حسب موقعها. إنه المراهق الذي يريد أن يخرج أمامناً بأراءه ونظرته الخاصة للعالم لكن لا تخدمه محصلته اللغوية. لكنه يصرخ و يخبرنا بما يريد قوله بما يعرف من اللغة ويجرد المجتمع المزيف أمامنا ويحلم أن يكون حارساً في حقل كبير من الشوفان في آخره منحدر حاد .حقل من الشوفان يلعب فيها الأطفال وهو يقف بينهم وبين المنحدر. هذا الذي يحلم به أن يحمي براءة الأطفال من عالم الكبار والمجتمع المنافق الذي سيدنس برائتهم. المجتمع الذي يجده مخدوع بالأفلام والمظاهر والنفاق والزيف والمبتعد كل البعد عن المثالية والحقيقة. إنه يخبرك أن كل مايريده هو الهرب من هذا الحياة والعيش في الريف. في كوخه الخاص. وهذا مافعله فعلاً كاتبناً حيث أمضى الأربعين سنة الأخيرة من عمره في مزرعته معتزلاً العالم المنافق والمزيف.
الرواية بالنسخة الأنجليزية
إتبع الرابط
الرواية بالنسخة العربية
اتبع الرابط

الكتابة كما يشتهيها إرنست همنغواي


في الشهرين الماضيين وقعت في غرام الكاتب الأمريكي الأشهر إرنست همنغواي. الكاتب الذي صار مثالي الأعلى في الكتابة وطريقة السرد. بدأت في قراءة لمن يقرع الجرس وإنتهيت بروايته الأشهر الشمس تشرق أيضاً ومجموعة القصصية “قصص نك آدم” . الرحلة التي أعتبرها الأهم في مشواري الذي ابتدأته في الأدب من 3 أعوام. في ودي تقديم قراءة سريعة عن رويات همينقواي لكن المجال لا يتسع لهذا ولا أفضل الحديث عن كتابات أحدهم أو تقديم قراءة حتى وإن كانت سطحية فمهما كانت هذه أعمال أدبية ولا أحد يستطيع أن يكون منصفاً لها تحت أية ظروف. لكنني أريد التحدث اليوم عن الأسلوب الكتاب لهمنقواي الذي جعله أكثر الأدباء تأثيراً في الأدب الإنجليزي الحديث ودفع الكثير لتقليدة ومحاكاته في تجربته الأدبية المكللة بنيله جائزة نوبل في الأدب. الكاتب الذي استيقظ في صباح يوم أحد قبل نصف قرن. وخرج من سريره. أخذ بندقيته التي إصطاد بها الأسود والغزلان والطيور ووجهها إلى ذقنه وأطلق النار. منهياً حياته المتوجة بجائزة نوبل في الأدب وأعماله الأدبية الخالدة وتأثيرة الكبير في كتاب جيله والأجيال اللاحقة.
«أمضي وقتاً كبيراً في قتل الحيوانات والسمك لكي لا أقتل نفسي»، قالها في أحد الأيام. كانت الكتابة ملاذه من أمنية الموت، وإن حفلت بالعنف الذي قلّد حياته. كتب «وداعاً للسلاح» عن الحرب العالمية الأولى، التي رغب في التطوع للقتال فيها ورُفض طلبه لخلل في نظره. لكنه عمل سائق سيارة إسعاف في الحرب ذاتها وأصيب في شمال إيطاليا.عمل مراسلاً حربياً في الحرب الأهلية الإسبانية وكتب “لمن تقرع الأجراس” من وحيها عن حياة الفلاحين وأهل الريف وقت هذه الحرب. رأى الانكشاف الأقصى في مصارعة الثيران، وركض أمامها في شوارع بامبلونا، وكتب “موت بعد الظهر” عنها. استوحى حياته في مسرحية “الطابور الخامس”، التي تناولت صحافية شجاعة تهوى جاسوساً مقداماً يفرط في الشرب ويتظاهر بأنه مراسل حربي. احتقر التنميق في الكتابة واقتصد، ليبرز المشاعر في الحوار والصمت والفعل. حين منحته الأكاديمية السويدية نوبل الأدب في 1954، مدحت تمكّنه من فن السرد، خصوصاً في “الشيخ والبحر” وتأثيره في الأسلوب المعاصر. خشي ألاّ يكتب شيئاً ذا قيمة بعد الجائزة، لكنه وجد صندوقين من الملاحظات عن حقبة باريس في العشرينات. أصدرها في «مأدبة متحركة» (1) و (2).
يقول همنغواي: “أهيئ أغلب أعمالي في ذهني، ولا أبدأ أبدا في الكتابة قبل أن تكون أفكاري منظمة. وكثيرا ما أقوم بتلاوة نصوص من الحوار بالطريقة التي ستكون عليه عند كتابتها، إني أومن بأن الأذن هي أحسن مراقب وحكم. ولا أكتب أي جملة على الورق قبل أن أتيقن بأن الطريقة التي تم التعبير عنها ستكون مفهومة وواضحة تمام الوضوح للجميع”.همنغواي شهير بجمله القصيرة و عرضه المبسط للفكرة التي يريد الحديث عنها. الأمر الذي يجعلني أضعه في مرتبة من القداسة ليس لها مثيل في مجال الأدب. إنه يكتب بوضوح وبألفاظ سهلة ومختارة بعناية فائقة لإيصال الفكرة في أنقى صورها وأصفاها فيما لا يدع مجال للشك فيما يريد قوله. يتميز أسلوبه بالابتعاد عن النعوت والاقتصار على الكلمات والأفعال في جملة قصيرة والإكثار من استخدام حرف العطف “واو” الأمر الذي جعل بعض الكتاب من جيله ينتقدون عدم إلتزامه بالمعايير الأدبية للكتابة الإبداعية. حيث يقول الكاتب الأكثر إثارة للجدل “جي دي سالينجر” أن إسلوب همنغواي عبارة رسائل تلغراف وذلك لفرط قصر جمله وعنايته بها. جي دي سالينجر حالة خاصة سأتعرض لها في مقالة أخرى.

إسلوبه الذي جعل أعماله في متناول الجميع ومحببة لأغلبية القراء. يرجع لكونه كان صحفياً. حيث أن المواد الأخبارية والمقالات يحسب لها بالمساحة لذا تحتاج إلى إختزال واستخدام للجمل القصيرة بوضوح وبشكل مباشر لإيصال الفكرة. هذا الأسلوب الذي يبتعد عن الزخرفة والتنميق ويكون واضح المعالم. حيث الجمل تكون خالية من النعوت والصفات والإطالة التي تشوش على القاريء كما يخبرنا همنغواي بنفسه. هذا لا يعني أنه كان يجعل جميع الجمل قصيرة ومباشرة مما يفقدها عنصر الجذب لكن قدرته على وصف الحدث والشعور في أقل من جملتين وجعلها عالقة في ذهن القاريء هو ما أبهر النقاد والأدباء في زمانه. لكن هذا لا يعني أنه إقتصر على الجمل القصيرة. في روايته الأشهر الشيخ والبحر، كتب همنغواي التالي ” حينئذ شعر بالأسف لأن السمكة الكبيرة ليس لديها ماتأكله وتصميمه على قتلها لم يخبو أبداً مع هذا الشعور بالأسف. وفكر في كم من البشر ستطعم هذه السمكة؟”. هذه الجملتان المتناقضتان: تعاطفه مع السمكة وعدم حصولها على الطعام وعلى النقيض منها إصراره على قتلها. لكن في الجملة القصيرة بعدها أوضح لماذا قام بهذا العمل. في هذه البلاغة العميقة يختزل جميع التفسيرات والتحليلات النفسية في جملة واحدو. أيضاً هذا الخلط بين الجمل الطويلة والقصيرة يضيف بعداً موسيقياً على الكتابة ويجعلها أكثر قرباً للقاريء.
الخاصية الثانية في إسلوب إرنست همنغواي هي سرعة تواتر الجمل. حيث تتميز جمله بسهولة وسرعة القراءة والإستيعاب من قبل القاريء. إنها جمل خفيفة اللفظ وسريعة الإيقاع وواضحة الفكرة حتى للمبتدئين في تعلم اللغة الإنجليزية. همنغواي يستخدم كلمات قصيرة بدلاً من الطويلة ثقيلة اللفظ ثم يستغني في جمله عن الفاصلة ويستبدلها بحرف العطف “واو”. وبرغم أن أن الاستغناء عن الفاصلة بين الجمل قد يجعلها صعبة للفهم لكن همنغواي وشهرته بأعادة كتابة نصوصه وعنايته الفائقة بالنصوص مكنته من تفادي هذه المعضلة.
في رسالة من كاتبنا إلى إحد الكتاب المبتدئين وضع بعض النقاط من أجل الكتابة للجموع وملامسة القراء. يقول في أحدها” إكتب جمل قصيرة وسريعة الإيقاع” و ” لا تحاول أن تكتب مثل شكسبير”. وهو هنا يحتذي الطريق الذي سلكه الأب الروحي للقصة القصيرة أنطوان تشيكوف الذي يقول في إحدى رسائله” في مرحلة التدقيق وقراءة المسودة، إشطب بقدر الإمكان كل الصفات والأحوال التي وضعتها في الجمل. عندما تريد أن تقول أن الرجل جلس على العشب، إكتب الرجل جلس على العشب. إنها واضحة ولا تشوش إنتباه القارئ، لكن أن تكتب ” الرجل متوسط الطول ذو اللحية السوداء الطويلة والعينين الحادتين جلس على العشب الأخضر الممتد تحت شمس الصباح والمخضب بقطرات الندى التي في طريقها إلى التبخر”. إن هذا يشوش عقل القاريء ولا يستطيع استيعابه بسرعة. الكتابة فن يحتاج إلى سرعة بديهة القاريء.. “
الكتابة فن يحمل رسالة. وبعيداً عن النصوص الذاتية والخواطر الخاصة بالفرد، النصوص الأدبية المعتبرة تحمل فكرة ورسالة معينة للمتلقي. وأراه واجباً على الكاتب أن يعتني بهذا الفن ليستميل شريحة أكبر ومتابعين أكثر ولعل أن يكون بها نفعاً ومفارقة فكرية للقاريء.

مراجع
مودي بيطار (2011). إرنست همنغواي الكاتب النرجسي المتقلب المزاج. دار الحياة اللندنية.
http://www.daralhayat.com/portalarticlendah/283823
كريستوفر مارتن – إرنست همنغواي: تشريح نفسي لانتحار. مجلة الطب النفسي الأمريكية

شفافية المسؤول السعودي

الشفافية، الكلمة الأكثر إستخداما لدينا بعد ” الارهاب” وإفتتاح المشاريع العملاقة. هذا المصطلح الذي لا يعرفه المواطن السعودي ولا يعلم أبعاده ومقاصده والهدف االمراد منه. وربما سنحت له الفرصة ليسمعها من أحد الوزراء وهو يتشدق بأن وزارته تضع الشفافية نصب عينيها وهموم المواطن فوق رأسها وتوجيهات الملك فوق كل هذا، ولا أحد يدري كيف يجري الأعمال داخل إدارته ولعل تصريحاته كانت في تعارض صارخ لما هو قائم في الأساس. هذه شفافية العمل الحكومي التي أصابت المواطن بفقدان السمع والضغط والسكري والتخمة من كثرة ترديدها.
“الفساد هو سوء استغلال السلطة من أجل تحقيق مكاسب شخصية”. هذه العبارة هي التعريف الرسمي لمنظمة الشفافية الدولية التي تصدر قوائم سنوية بأكثر الدول شفافية في العالم وأكثر الدول فساداً كذلك. إنها منطمة دولية لا يعرفها المواطن السعودي الصغير لأن مقرها برلين وهي غير خاضعة لأي دولة وهدفها غير ربحي. هدفها الوحيد هو مكافحة الفساد التي تعتبره العائق الأساسي للنمو الأقتصادي والديمقراطي في أي بلد.النمو الديمقراطي الذي يسمع عنه المواطن كثيراً ولايهتم له. هذه المؤسسة انشئت في عام 1993 على يد المدير السابق لعمليات البنك الدولي في أفريقيا وأمريكا اللاتينية “بيتر إيجن – Peter Eigen”. وبدأت في نشر “مؤشر الرشوة” بشكل غير رسمي في عام 1995 و رسمياً في عام 1999. هذا المؤشر أصبح علامة فارقة في مدى نزاهة الحكومات وأصبحت من التقارير التي تضع لها الحكومات الدولية ألف حساب، وضعت المملكة العربية السعودية في مؤشرها للفساد والرشوة في المرتبة 50 من ضمن 180 دولة في العام 2010. الحدث الذي احتفت به صحفنا ودور الإعلام السعودية بجدارة. وتناسوا أن يتسائلوا لماذا لا نكون في الصدارة وتكون مملكتنا الحبيبة في القمة كما نريدها أن تكون في كل المحافل الدولية.
مؤشر الفساد العالمي. هذا المؤشر الذي يصدره خبراء غربيون وجهلاء بوطننا الذي نعرف تفاصيله بكل حذافيرها ونعلم جيداً حقيقة الفساد المستشري في أوردة الإدارات الحكومية إلى الدرجة التي دفعت الملك إلى إنشاء جهاز حكومي يُعنى بمكافحته وإنشاء مؤسسة مدنية مساندة له. الأمر الذي يوثق الواقع والحقيقة المُرة بأن الفساد ضارب في الوجود ولا فرار منه في حياتنا وأنه حقيقة مطلقة لا خلاف عليها في أرضنا.
إن كان للفساد درجات عديدة. فهذا لايهم. الفساد فساد وإن إختلفت درجاته. لكن حقيقةً لا تهمني تقسيماته وفروعه ودرجاته أنا المواطن الصغير. ولا تهمني المشاريع الجبارة والإستثمارات الحكومية الطائلة في المدن الصناعية والإقتصادية بقدر إهتمامي بالعمل الحكومي والإدارات المرتبطة بحياتي اليومية. البلديات، مراكز الشرطة، المرور، المحكمة، المدارس وهلمجرا. هذه المباني المغلقة والتي لانعرف كيف تدار وكيف تجري فيها الأمور. لا تلوموني على هذا التفكير، لكنني لا أعرف إلا هذا الحي الذي أسكنه والقرية التي أزورها وهذا كل ما أريد معرفته من الأداء الحكومي والمشاريع والأعمال التي تمس شارع منزلي ومعالم الحارة التي أسكن والمدرسة الوحيدة فيها.
الشفافية موضوع شائك، وأتذكر حين قرأت عنها لأول مرة في الصحافة وسمعت للأصوات المطالبة بالشفافية والتي جعلتها الحل الأمثل لمكافحة الفساد ورقي الوطن والطريق السريع للديمقراطيقة ووضع المواطن في منتصف منظومة صنع القرار. هذا مالا أفهمه أبداً. الفساد له أبعاد أكبر وأكثر عمقاً من حلول الشفافية ويحتاج إلى ثورة أخلاقية قبل أن تكون معرفية تخاطب المواطن وتُطلعه على كل مُستجد في العمل الحكومي من أجل مكافحة مايمكن أن يجعل أداءه مثاراً للشكوك. ولا أعني أن الشفافية لا تستطيع مكافحة الفساد لكنها الخطوة الأولى لمحاربته والحد منه. وإن كانت الأصوات تتعالى من أجل إشراك المواطن في صنع القرار والأخذ برأيه بما يمس نمط حياته وطريقة معيشته فهذا لا يمكن أن يتحقق والمواطن لا يجد نشرات دورية ومؤتمرات صحفية من القائمين على المؤسسات الخدماتية المحيطة به من كل حدب وصوب والتي تعمل على طريقة التكفير القديمة في أن “الشيوخ أبخص” وأن المواطن ليس بحاجة لمعرفة تفاصيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي ستربك حياته من أجل تلامس أرض الواقع.
هذا المصطلح غريب على المواطن العادي. الشفافية، ماهي الشفافية؟ وما الذي أستفيده من الشفافية؟ وما إلى ذلك من الأسئلة المستحقة والساذجة والتي يحتاج المواطن إلى معرفتها.
عندما يطالعنا مسؤول رفيع المستوى ويبتسم لجموع الصحفيين وهو في أبهى حلة ليخبرهم أنه لا يوجد أي أخطاء أدارية وأن المشاريع ستحقق نسبة عالية من الإيرادات وأن العمل قائم على قدم وساق من أجل رفاهية المواطن، إنه يستخف بعقول المواطنين بوعي منه أو بلاوعي. هذه التصريحات الصحفية الضحلة لاتخدمني بشيء ولاتقدم أي حقائق أو إحصائات تدعم كلامه الذي يفترض منه أن يدفعنا للتفاؤل والطمأنينة. حيث أن هذه التصريحات تزيد من الإحتقان الوطني وتزيد من ضعف الثقة بالمسؤول وتباعد المسافة بين المواطن والحكومة. وطالما أن المواطن يستطيع الوصول إلى قناة من التواصل مع المسؤولين فسيكون لديه ثقة كبيرة بهم. المواطن عندما يجد حلقة وصل من الشفافية المبتغاة يكون قاعدة صلبة وحائطاً صاداً لإنعدام الثقة مع الحكومة وتبعاتها المخيفة.
أنا مواطن صغير ولا يهمني أبداً أن المدن الصناعية ستأتي لنا بمردود إقتصادي كبير على المدى البعيد للوطن ككل، أو أن جموع المبتعثين لم يكن بينهم حالة فاشلة بدون أي إحصائيات ملموسة، أو أن المدينة المالية ستأتي لنا بشركات كبرى ومشاريع عملاقة؟ أنا مواطن صغير ولا أريد جُمل رنانة تبدأ بـ “سوف”و “سيكون” وكل مايدل على المستقبل القريب أو البعيد بدون إطلاعي على الدراسات والتقراير الدورية عن هذه المشاريع.
أنا مواطن صغير وكل مايهمني هو فعالية البريد ومشاريع التصريف الصحي وتكلفتها ومدى كفاءة منفذيها، يهمني إنقطاع التيار الكهربائي وكم من المتوقع أن أصرف من جيبي جراء ذلك، كل ما أهتم له هو لماذا ينقطع الماء عن بيتي وأٌقضي الساعات الطوال من أجل “وايت” محمول بالماء الذي وعدتنتي إياه أمانة المدنية قبل سنة وتركتني احارب جيراني من أجل قطرة ماء. يهمني كم التكلفة الفعلية للطريق الموازي لمنزلي والشركة التي أُرسي عليها المشروع وكفاءتها وكم ستستنزف خزينة بيت مال المواطنين؟ أنا مواطن صغير ويهمني أسعار الشعير وسبب تدخل الدولة فيها وإلى متى سيتكرر هذا المنوال؟ يهمني كيف أصبح الشعير من الموارد التي تتدخل فيها بقوة السلاح وتخلق لها تنظيما عجيباً يجعني أقاسي حرارة الشمس والعطش؟ أو كيف أصبحت هذا الشركة التي أتت وإنشأت في ليلة وضحاها لتفوز بمناقصة كريمة لتعبيد الطرقات في الحي؟ أريد أن أعرف على أي أساس قام المسؤولون في البلدية بوضع هذه الميزانية بالملايين ووهبوها لهذه الشركة الجديدة وعديمة الخبرة من أجل توسعة الشارع الرئيسي في مدينتي، وعلى أي تسعيرة وكفاءة وأية معايير، ولماذا لم يتم تنفيذ المشروع في المدة المطلوبة ولماذا لم يتم محاسبة الشركة المسؤولة؟ أو ماذا انتظر من هذا المشروع وذاك؟ ولماذا لم أعرف أنهم سيقومون ببناء حديقة أو مسجد أو مدرسة أو منشأة حكومية في الشهر القادم ولم يعلم عنها أي بشر، ولماذا لا أجد بين يدي أية معلومات وتقارير تخبرني عن هذا؟
أنا مواطن صغير وكل ما أريده الشفافية التي أسمعها من أفواه المسؤولين ولا أراها.

رصاصة فارغة

 

الجثث في كل مكان..
قتلناهم كلهم مثل الكلاب الضالة. كل مايلزم تم فعله. الصعود أعلى التل، الاختباء خلف الصخور وبين الشجيرات، النوم على بطوننا في ساعات طويلة في هذا الشتاء اللعين. الإنتظار اللذيذ، الترقب إلى أن تلتقي رؤوسهم مع فوهات البنادق، ثم حبس الأنفاس و لحظة ضغط الزناد. كل مايلزم لأشم رائحة البارود اللاذعة و أصغي إلى صراخ أرواحهم الهاربة من وخز الرصاصات و العربات المحترقة. آه يا رؤية رعشة أجسادهم و هي ترفض الدم في برودة الصباح والضباب.
صراخهم الجميل، الصراخ الجميل.. الصراخ.. الصراخ المتقطع في إمتداد السكون و برك الدم!
كل مرة يحدث هذا يأتي صوت العريف “علوش” قوياً واثقاً يبدد لحظة الصمت بعد المعركة
– أجهز على الأحياء منهم، لا أسرى اليوم.
– حاضر سيدي.
ركضت أسفل التل و “همام” خلفي يحميني. كانت عربتا “اللوري” تحملان المؤن للعدو. وصلتنا الإخبارية في اليوم السابق، فإنتدب الجنرال خمسة رجال للمهمة. كلنا من الفصيل الأول. منذ اندلاع الحرب و فصيلنا في طليعة القوات تحت وابل الرصاص و قنابل الهاون. ربما أنه حقيقة ما تتداوله الفصائل الباقية عنّا و يتهامسونه فيما بينهم البين: أن الموت يسير أمامنا، و يتسابق مع بنادقنا نحو العدو.
كانت أسلحتنا خفيفة بالجملة من أجل سرعة التنقل عدا رفض الجندي أول “سعد” المسير دون رشاشة من عيار 50.

تحمله وحدك
لا أحد يلمس حبيبتي !

كان استدعائي مخيف للغاية. كل شيء مخيف في المعسكر. في الجيش تتوقع أي شيء. مثل أن يستدعيك القائد ليقطع رأسك لأنك أبديت أعتراضاً على طعام “الميز”. أنت بهيمة لا تملك أي خيار و حياتك لا تعادل سعر الذخيرة التي تحملها في حزامك. كنت أقرأ رسائلها وقتها. كنت أقرأ للمرة الألف. في هذه القطعة من الجحيم لا تجد إلا رسائل العشاق طريقاً سريعاً للجنة. على هذا الطريق كنت أهرب من الوقت إلى النعيم. كانت أخر برقية تلقيتها منها قبل أن تنهي كل شيء بيننا.
“ حبيبي الحياة بدونك صعبة جداً. أخبرني متى تعود إلينا و تلمني.”
كنت في الثكنة فوق سريري الحديدي أقرأ البرقية إياها. أتنفس رائحة الأغنام و المواد المطهرة والحديد الممتد على هذا الأسمنت. مبنى قديم لأحد المزارعين الداعمين للدولة ممتد بطول 20 متراً من الأسمنت و الحديد الصلب. تلك الرائحة التي أجزم بأنها كانت البقايا الأخيرة لحضيرة ماعز قبل أن يجعلها الجيش ثكنة عسكرية. عشرون صف من الأسرة، كل سريران فوق بعضهما البعض. أربعون سريراً لأربعين رجل في إستعداد تام للقتال والموت في وداع للزراعة و رعي المواشي و كل ما يجعل الحياة المدنية مقبولة و سهلة أكثر للعيش. أربعون رجل يستيقظون كل صباح و يرتدون بدلاتهم العسكرية و يحملون بنادقهم تلبية لأوامر من قائد في الجيش لا يعرفون ملامح وجه. كنتُ بينهم، على سرير لا ينتبه لوجع ظهرك ولا لساعات التدريب العسكري الشاقة، متمدداً على ظهري أحاول أن أجد كلمات جديدة خلف هذا البرقية. أية كلمة تخبرني عن الحنين أو الشوق أو طعم لحياة بسيطة لا تنتهك عذريتها طلقات الرصاص و الزحف تحت الأسلاك الشائكة و رائحة البارود.

القائد يريدك في الحال
الحين؟!
إيه

في هذا النمط من الحياة تتعلم قلة الكلام. لا أجابات وافية تستطيع العيش معها. حتى الأحاديث الأكثر حميمة بين الجنود تكون على شكل ألغاز لا تنتظر الحل. جمل ناقصة لا محل لها من الأعراب. يسألك أحدهم ” كيف حالك” و تجيب بشكل سريع وبدون أدنى محالة للتفكير” أحسن منك” كأن بقية حياتك عبارة عن معركة، عن قتال لا ينتهي إلا بموتك.
وضعني القائد الرجل الثاني في القيادة بعد العريف علوش. علوش معتوه درجة أولى إن أردتم الحقيقة، إنه معتوه إلى درجة لا تصدق. الأسبوع الماضي في فجر يوم ثلاثاء قارس البرد كان يركض عريانا خلف دجاجة. وقتها كنت أحرس الثكنة و سمعت صوته من بعيد
– تعالي يا ابنة الكلب
رفعت الرشاش نحو الصوت في ذعر. كنت أغط في نوم عميق وقتها وأحلم بأمي، بخبز أمي وهي تعجن دقيق البر وتضعه فوق النار. كنتُ أحلم وأنا أقفز خلفها طفلاً بريئاً و هي تسكب السمن و العسل فوق القرص المتحمر بحرارة النار. لا أتذكر إن كان لعابي يسيل وقتها لكني كنت مذعوراً جداً على صياح “علوش”، وجهت الرشاش نحو الصوت لكن حمداً للرب أنني أعرف العريف من شعره الأبيض الطويل المتدلي تحت كتفيه. كان هذا مشهداً مقززاً جداً. صرخت فيه
– عمى ، ايش تسوي يا علوش
لم يستمع إليّ كان يركض عرياناً و يلعن الدجاجة و حالة الهياج التي يعيشها. ركضتُ نحوهم مثل الأهبل. كان وقتها بعض الجنود من الفصيل الثالث يدخنون السجائر و يشاهدون ما يجري في ذهول و صمت. لا ألومهم، درجة الحرارة كانت تقترب من السابعة فوق الصفر في هذا الأرض الجافة التي لا ترحم. الدجاجة كانت تركض بشكل هستيري، رميت عليها خوذتي و إنقض عليها علوش مثل الذئب.

ايه يا ملعونة جاء وقتك

أمسكها في الأرض وأخرج سكينة و مررها على رقبة الطائر الضعيف. لم يكن هناك وقت كافي لتمر شفرة خنجره على رقبتها مرتين، كان رأسها بين يديه و قطرات الدم تتساقط على الأرض. رفع رأسه نحوي في فرح

أبشر بأكلة سنعة !

كأن الطعام سيجعل حياتنا في هذا الثكنة أفضل مما هي عليه. رفع الدجاجة للأعلى أمامه

تعلم أنني أطاردها منذ يومين، إشتقت لأكل غير طعام “الميز” صدقني أكل الثكنة لا يليق بالجنود. لكن اسمع بطبخها لي ولك و يمكن ” همام”. أوه، مع بطاطا و رز، أحلى كبسة ممكن تاكلها، لا تستغرب البطاطا، ستكون وجبة مغذية جداً

طعام الميز كان مقززاً بشكل رهيب. كان النوع من الطعام الذي تأكله كي لا تموت جوعاً. مثل أن تأكل لحم الحمير أو الثعلب.
وضعت برقيتها جنباً و ركضت نحو مكتب القائد. كان العريف علوش و بعض الضباط هناك. ألقيت التحية و أشار علي القائد بالجلوس. كانت أول مرة أجلس في مكتب القائد. كانت أشبه بالحلم. مكتبه تفوح منه رائحة القهوة العربية و التمر. تذكرت بيتنا وقتها، تذكر وقت العصيرة و أنا أصب القهوة لأبي و نتجاذب أطراف الحديث أو حين يتكلم والدي بإمتياز عن الزراعة و أحلامه في إمتلاك 300 نخلة. كانت رائحة القهوة المبهرة بالهيل و الزعفران أكثر ما يحبط الجنود. أتذكر لما أتى رفيقي “همام” من مكتب القائد أول مرة. تحدث مطولاً عن رائحة القهوة ونباهتها. كنت أستمع إليه و هو يتحدث بشغف عن رائحتها التي لا تأتي إلا من “بن هرري” أصيل.
لا أريد أن أكون ممن يعطي الأوامر. لا أريد أن أحمل على كتفي أكثر من رأسي و البندقية. أنا جندي و لا أريد أن أفكر كثيراً، لا أريد أن أفكر أنني أفقد السيطرة أبداً، لا أريد أن أكون في وضع قريب من ذلك، هذه هي المسألة. كل ما أحتاجه في الجيش هما “أمرك سيدي” و “حاضر سيدي.” همام هو الشخص الوحيد الذي يقترب مني هنا يردد دائماً ” لحظة انخراطك في الجيش ودع عقلك فمنذ اليوم الأول يستبدلون عقلك ببسطار قديم، و جزمة عسكرية منتنة. لا تفكر، لا تقرر، لا شيء! عقلك بسطار، عقلك رصاصة صدئة”.
المهمة-الكمين، سهلة جداً و نظيفة. سلوك العدو الطريق الجنوبي ل “عين الطوقان” كان هديتنا التي لم نحلم بها أبداً، هكذا أخبرني القائد و هو يلتهم فذات التمر. كانت هديتي التي صليت لله أن يهبني إياها. الطريق يمر بتلتين متدثرتين بالحشيش و الشجيرات الصغيرة. الموقع المثالي لنصب كمين و الإغارة بسرعة. كانت فصيل واحد من 13 جندي في سيارة جيب و شاحنتي “لوري” محملة بالذخيرة الحية وإمدادات طبية.
ركضت أسفل التل نحو الجثث. ثلاثة عشر جثة ولي منها اثنتان. ركضت مثل الأطفال سعيد نحو ماتبقى منهم على قيد الحياة. ماهمني أن أصاب بطلقات الرصاص. أريد ذلك، شيء في داخلي يريد ذلك، أن أصاب برصاصتين أعلى الشق الأيمن من صدري، تخترقني رصاصتان، ثقبان أسودان في جسدي, لحمي يختلط بالبارود و الدم الدافىء يتدفق منى و أصرخ مثل طفل رضيع و أركض إليهم … أركض للموتى.
بحثت عن المزيد بين هذه الأجساد؛ عن روح أسبق ملك الموت إليها. روحٌ أخرى أضمها إلى عائلتي من الأرواح، ترقص مع شياطيني و أعبر بها الجحيم. أريها نهاية النفق المؤدي لما بعد الموت. أنا الآتي بعد الموت، أنا النفق الذي آخره ضوء ساطع. أنا تجربة الموت!
جثثهم ملقاة في كل مكان. رائعة، جميلة و ساكنة جداً، إنها ممتزجة في الطبيعة، تشكل الآن جزءاً منها. بحثت كالمهبول بينهم، وخزتهم بفوهة البندقية، لكن لا حياة! أطلقت النار قربهم ولا ردة فعل لا حركة لا خوف لا شيء و لا حظ لي فيهم و ملك الموت يتربص بي.
لا جدوى من كل هذا الركض! هنا المشكلة، الركض نزولاً دائما لا يحقق المتعة، في البداية يكون الضغط الكبير على ركبتيك. الجسد كله يعتمد على الركبتين. و فقدان القدرة على الإبطاء من حركتك، فالحدث خارج عن الإرادة، أي خطأ وتقع على وجهك، أكرهني و أنا أتخيل إرتطامي سريعاً بالأرض و “همام” يرتطم بي بدوره، يبدو المشهد شاذاً. ماذا أفعل؟ المفترض أن يحميني لكنه أحمق جبان، دائماً يكون خلفي ملازماً لي يخشى أن تصيبه رصاصة، أنا درعه و ضمان بقاءه على قيد الحياة. أنقذته من فكي ملك الموت مرات عده. لكنه انسان لا يهتم بهذا، كل الذي يريده أن يأكل دجاجة أخرى من بين يدي العريف علوش! لكني أيضاً أكرهني أكثر عندما أتخيل وجهي مرتطماً بالأرض, إنه ليس شبيهاً بالإرتطام الذي تحدثه الرصاصات. أوه، كم هو رائع إطلاق النار على الأجساد المحتضرة الملقاه على الأرض. تقفز من قوة الرصاص. بارك الرب قوانين الفيزياء و الجاذبية. تقفز بضع سنتيمرات عن الأرض و ترتطم مرة أخرى, إنه عملي الشبيه بالإنعاش الكهربائي لكن في الاتجاه المعاكس تماماً..
و الآن علي الصعود إلى الأعلى و الضغط على ركبتي مرة أخرى نحو النقيب.
– لا أحياء سيدي
– أحسنت الصنع
أحسنت الصنع! أمممم، ليس بالشكل الكافي. حصيلتي طيلة التسعة أشهر الماضية كانت ثلاثة وثلاثين روحاً معظمهم قتلت رمياً بالرصاص. و لو تسنت لي ظروف أخرى لما أستخدمت الأسلحة النارية أبداً إنها تأخذ منك المتعة، تسرق منك لذة التفاصيل الصغيرة . قتلت ستة منهم بالسكين، تسللت خلفهم في العتمة و أدرتهم بشغف نحوي كأننا في ساحة رقص، ضممتهم قريباً مني و غنيت لهم في الثواني الأخيرة من العناق.
– اششش … ستعبر الجحيم الآن.
شاهدت الغضب يخبو في عيونهم. الدهشة و الفجيعة سويةً تتبلوران في تقاسيم وجوههم. أحسست بالبرودة تسري في أجسادهم . و أكثر، أكثر من ذلك، إنه التدفق اللذيذ للدم الدافىء من الجسد، وإنتشاره على الملابس، وانسكابه على الأرض. و ملك الموت ينتظرني أن أفرغ منهم، ينتظر دوره في العتمة مثلي. لكني لست مثله، أنا لا أفرق بين الروح الطيبة و الخبيثة و لا أسأل من أنتِ أو من أين جئت؟ إني فقط أغتالها، آخذ الحياة منها.
همام وقف متسمراً عند الجثث. فوق الجثث تماماً لم يقدر على الحركة. لون وجهه أصبح أزرقاً مثل الأموات، يداه ترتعشان و قلبه يخفق سريعاً. وقع فريسة الندم يسكن ملامح وجهه و يَظهر في إحمرار عينيه. الرجال تفضحهم المشاعر كثيراً، يكونون مثل الأطفال، يحاولون إخفائها لكن لا جدوى. “همام” ناديت عليه ولم يجب، ياللمسكين صرخ: ياللفظاعة!
لا تدري ما الفظاعة ياهمام. الشعور له مساوءه أيضاً. الفظاعة في المشاعر التي تفضحك، وجودها أو عدمها. أنا لا أشعر بشيء . داخلي فارغ مثل رصاصة فارغة أطلقها في الهواء و لا أثر. لم أكن هكذا أول الأمر. أول الأسابيع عندما انخرطت في الجيش. كنت أمسك صورتها و أسهر الليل. عيناي تلتهمان الصورة. و يداي المتعرقتان تبللها كثيراً، بللتاها و ضاعت الملامح منها. الرجال في الثكنة كانوا يسخرون مني وقتها. يقرعون خوذاتهم بالأسرّة و يضحكون، و بعضهم ينصحني ساخراً “مارس العادة السرية و أطفئ ضوء سريرك كي ننام”.
كنت أشتعل من قراءة رسائل الشوق الحارة. كنت أكتب لها كل يوم و أصلي لها كل ليلة. و الآن أراها تبتسم مع كل رصاصة أطلقها، كل روح أسرقها من ملك الموت. مضت 9 أشهر الآن يا “نورة” و لم يعد قلبي يقفز لزيارات طيفك و أنا أضغط الزناد

مذلون مهانون

– تعرفتُ إلى طعم السجائر في صباحات الوحدة. سجائرهُ التي ينفثها في وجهي كلما فتحتُ فمي للحديث. سجائر إنتظار الأماني التي لا تتحقق. أماني الضعفاء. مزاجه السودادي لا يمكن أن ينتهي، الرجل الذي يشاطرني الفراش و أيامي. يا الله كيف أحتمل هذا؟ تعرفين ذلك يا ” نورة” أخبرتكُ هذا، أنتِ صديقة طيبة، رباه أنا تغيرتْ وأصبحت بليدة أكثر؛ و هو لم يتغير.

كانت تبكي في المرات السابقة، تبكي الحظ الرديء و تنوح الحياة. الدمع الحارق، رائحة الدم الحارة العالقة في أنفها من لكماته. هذه كلها ؛ حرقة الكدمات و حرارة الدموع و الصراخ و الدم، حيلتها الوحيدة. لكنها أقلعت عن كل هذا الآن. قامت بما تجيده عندما تقضم الكآبة روحها : غرقتْ في تحضير الطعام ، نظفتْ الأواني وكنستْ البيت. هذه المرة أمسكت بسماعة الهاتف وتابعت حديثها لصديقتها نورة.

– ليته يعود يا نورة كما كنا في شهر العسل. أجمل أيامي قضيتها في اسطنبول معه! ماذا أفعل معه يا نوره يخرج دون أن يسمع ما أريد أن قوله. أريد أن أًصرخ في وجهه. أن أضربه بيدي العارتين أو بمنفضة سجائره. كل الذي أريده معرفة ماذا يريد أن يأكل وقت العشاء،؛ هل سيعود الليلة في وقت متأخر أم ماذا؟ ركب سيارته تلحقه أمنيتي الوحيدة أن تدهسه حافلة و يموت. يا الله أنا انسانة سيئة كيف أتمنى الموت لأحدهم . هل سيعاقبني الله على هذا؟. الله لا يحبني يا نورة، تركني ولم يستمع لدعائي. أريده أن يموت و تكون هذه الأمنية السخيفة التي لا أملك غيرها، آه من الأماني التي يمنعها الغرور من التحقق.

كانت تتكلم بسرعة، بدفعة واحدة، بنفس واحد كأن أحداً يراقبها. تتكلم في سباق مع الوقت قبل أن يعود للبيت و ينعقد لسانها. كانت تتكلم لتتخلص من ألم لا تستطيع أن تتحمله أكثر. كل ما كان يحركها هو أن تتخلص من هذه الغيمة الجاثمة على روحها و التي تقتلها ببطئ. الموت يغازلها من بعيد، بأبشع الصور التي يمكن أن تتخيل، الموت بئساً. “هذا أنا و سأكون بقربك دائماً” الكآبة تهمس في أذنها. هذا ما كان يمثله هذا الرجل الذي يحتضنها كل غروب ويتركها للبكاء حين تشرق الشمس.كانت “سامية” تتكلم وتمسح دموعها، هي الفتاة التي تمضي إلى الحياة مثل من يمضي إلى المنفى بلا رغبة، و لا شغف. لم تُقبل على الحياة أبداًً – على الأقل خلال الأشهر الأخيرة من زواجها. كانت تحاول الهرب من كل شيء، و كل محاولاتها البائسة لتخلق بيتاً جميلاً تتراقص فيه الفراشات و الأحلام الوردية الساذجة لتملأ كل ما يحيطها سعادة و فرح، بقت أحلاماً مستحيلة المنال.

وجهها الطفولي أصبح أكثر حدة و بلوغاً، عيناها الواسعتان أصبحت بلا عمق و حياة. العينان نافذة للروح و “سامية” لم يتبقَ من روحها الكثير مما يمكن أن تقرأه. تقاسيم وجهها صارتْ جالية وأكثر حزناً في ستة أشهر، هكذا كانت تفكر صديقتها “نورة” وهي تستمع إليها في خشوع الراهبات كأنها تتلقى إعترافاً.

هذا ما تحولت إليه حياتها، يضربها “صالح” و يخرج من البيت وهي ترتمي على الأريكة و تبكي، تبكي أشد من الأطفال الثكالى. بحرقة و لوعة وتصرخ ثم تجفف دموعها وتطلب من نورة أن تأتيها.

– تعالي قبل أن أذبح نفسي !

رمت الجملة في أذن نورة عبر الهاتف دون أن تترك مجالاً للرفض. نورة صديقتها منذ الطفولة، صداقتهما تعود الى الصفوف الأولى من المدرسة الأبتدائية. كانتا يصففن شعرهن بربطة ذيل الفرس، للأعلى من دون خصلات تتساقط على عينيهما. صديقتها المقربة و ربما الوحيدة. صديقاتها الكثيرات هربوا من حزنها وهربت هي من نظرة الشفقة في عينيهنّ إلا نورة المخلصة. تسكن في نفس الشارع. بيتها الثالث من الشمال. مكون من طابقين، تزوجت من رجل ثلاثيني زواج تقليدي كما هي العادة. رُزقت منه بطفل صغير يشبه أباه كثيراً أسموه “عبدالله”. تعتقد أنها تعيش حياة سعيدة، حياة سعيدة فعلاً عندما تضعها في الميزان مع حياة صديقتها سامية.

إرتدت عبائتها وحملت طفلها الرضيع، عبرت الشارع وهي تفكر كثيراً في هذه المسكينة التي تقاسي المر والكآبة كل يوم. فكرت لو أنه يمكن أن تغير القدر وتجعل كل النساء والأطفال المساكين سعداء وتنتقم من أمثال صالح.

سامية تعيش في شقة في الطابق الثاني، مكونة من ثلاث غرف وصالة لإستقبال الضيوف، طرقت عليها الباب واستقبلتها بالأحضان.
سامية – أنا آسفة أنني جعلتك تأتين بطفلك المسكين تحت حرارة هذه الشمس.
نورة – لا عليك يا صديقتي.

ردت عليها نورة وأطرقتا في صمت. صمت المحبطين، الساقطين نحو الهاوية في الثواني الأخيرة، صمت المسلّمين أمرهم للقدر والذين لا يعرفون كيف يقذفوا بالحقيقة من أفواهم.
سامية – أعرف أنك تكرهين الإستماع لي، تصغين لي وأنتِ كارهه. ماذا أفعل يا حبيبتي يا نورة، ليس لدي أحد ينتشلني من هذا الجحيم. أخاف أن أخبر أخي “علي” تعرفين أنه مجنون ويمكن أن يحيل هذه الأرض جحيماً لا يرحم، ربما أنه يضرب صالح و يمسح به هذا الغرفة ثم ماذا؟ ماذا يانورة؟ لا أريده أن يضربه، إنني أحبه يا نورة. لم يكن هكذا أبداً. هناك شيء حدث له في الأشهر الماضية. كان يقبلني كل ساعة، لم يكن يكتفي بالقبل والكلام المعسول. كان يحتضني حين يدخل البيت. لكنه تغير بعد أن خسر أمواله في بورصة الأسهم. صار يضربني ولا يحتمل كلامي.

كانت تتحدث وتمشي في صالون الضيافة، تدور في حلقات كأن الكلام هو ما يدفعها للحركة. نورة كانت تصغي لها في امتعاض. لا أحد لديه القدرة على الاستماع الى هذا الوجع و يتمالك أعصابه.

سامية – حين أصبح مزاجه أكثر سوداوية وبدأ يضربني. صفعني أول مره ثم خرج من البيت. عاد في وقت متأخر وبكى عند قدمي وغفرت له. لكن في الاسابيع اللاحقة عاد إلى ضربي، كان يبحث عن سبب لذلك. أخبرت “علي” أن يتحدث معه لكن هذا لم ينفعني أول مرة. إنتهى الأمر بأن ضربه علي أمام عيني، يا الله يا نورة وقفت بينهم وحميته بجسدي من أخي. لم أستطع رؤيته هكذا، لم يرفع يده على أخي. استقبل ضرباته كأن فيها الخلاص. علي لم يصدقني توقف مندهشاً مما فعلت. ربما أنني أستحق هذا. إنني أحبه وأكرهه في نفس الوقت، لا أدري يا نورة

نورة – ما حدث أمر مؤسف، أتمنى أن تنتهي الأمور على خير، أمر الله وما شاء فعل! لكن ألم تخبريه حتى الآن؟!

سامية – لا !

نورة – يا حبيبتي “سامية”.

هذا أكثر ما تستطيع قوله، أن تركز كل قواها من أجل الكلمات المنتقاة المناسبة. هذا لم يكن أصعب المواقف عليها. أن تنصت في إذعان إلى هذه الحقيقة. أن تستمع إلى كل كلمات الذل و العجز في عينيها و تلمس روحها المنكسرة و لا تستطيع أن تفعل شيء، إلا أن تقترب منها بحنان الأمهات و تفرط في إختيار الجمل القصيرة المخففة للألم في صدرها.

سامية – يالسخفي، لم أقدم لك القهوة حتى الآن.

قالت هذا ووقفت على أصابع قدميها. كأنها تفيق من غيبوبة، أو لحظة سرحان طويلة وتستدرك الثواني لتصصح الموقف. كان إنتباهاً مخجلاً. ركضت للمطبخ، وعادت بسرعة تحمل صينية فيها القهوة و التمر.

– تقهوي

ارتشفتا القهوة على عجل كأن القهوة هي الخلاص من المأساة. كأنها الدواء الذي يخفف الألم و يسارع بالشفاء. لم يكن لديهما أي شيء تحكيان عنه إلا هذه الحياة البائسة.

سامية – أنا وحيدة هنا يا نورة .. لا يستمع إليّ، لم أجده أبداً بجانبي. كل ما أتمناه هو أن أرتمي بين ذراعيه وأنام. حتى هذا لا يتحقق.
تابعت حديثها على مضض. هذا ليس أسوء ما يحدث، الشهر الفائت شج رأسي بصحن الطعام، لأني نسيت الملح. رماني بالصحن ورفسني في بطني. كله من أجل الملح وعندما رأى الدم يسيل من جبهتي قال بكل بوقاحة ” هذا وسمي في وجهك، للأبد”. ما الذي فعلته لك يا حبيبي لتكون وحشاً هكذا.

واحتضنتْ نورة وبكتْ في حرقة. بكتْ كأن الموت قادم إليها وتريد الحياة أكثر.

سامية – أتذكره، أتذكر يوم الجمعة حين ناداني والدي يوم جمعة. كنتُ أسمع ضوضاء من مجلس الرجال في الليلة السابقة. أخي “علي” كان صوته غاضباً. إخوتي الباقين كانوا صامتين، وحديثاًً منفعلاً كان بين “علي” و أبي. … لم أستطع أن أسترق السمع حينها. كل ما فهمته أن “علي” غادر البيت مسرعاً دون أن يودعنا أنا وأمي على عادته. كل مرة كان يقبل رأسي و ويقرص وجنتي كأنني طفلة.. …. غادر تلك الليلة ولم أفهم مما حدث شيء لكن في الصباح التالي أبي كان يناديني. في صبيحة شمس جمعة حارة .. “سامية يا بنيتي تعالي” ، “جيبي القهوة وتعالي أبيك”. أخذ يتحدث مطولاً عن أنني أصبحت امرأة الآن و كل شباب أقاربنا أبدو رغبتهم بالتقدم لي. وأنه أختار أفضلهم!

كانت تعيد عليها الأحداث التي تعرفها جيداً، الله و نورة وحدهما يعرفان ماذا يحدث في هذا البيت بكل تفاصيله المهينة.

سامية – “هذه السنة الثانية، الأسبوع الماضي كانت ذكرى زواجنا الأولى و إحتفل فيها بلعني و لطمي بلسانه القذر. يا الله أكره هذه العيشة المتعبة. كلماته تُهشم روحي وتسحق أي أثر بعيد فيها للسعادة. تعلمتُ ألا أصغي إليه عندما يحتقن وجه ويندفع الدم إلى رأسه. صرت أهرب إلى أقصى الأماكن عنه. إلى شوارع اسطنبول. أتمشى قرب البحيرات و أقضي يومي كله هناك. أحرك قدماي في الماء وأستلقي على العشب الأخضر. صرت أهرب ولا أعود إلا عندما يخرج من الباب معه أمنيتي إياها بالموت دهساً “.

نورة – ماذا عن اللي في بطنك!


تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 49,203 hits