Archive for the 'تفاصيل هاربة' Category



The Love Song of J. Alfred Prufrock

 هذه محاولة لترجمة الجزء الأول من القصيدة الشهيرة لـ تي اس إليوت.  وفورالانتهاء منها سأقوم بشرح التلميحات والاسقاطات الكثيرة في هذه القصيدة 

لنمض إذن، أنت و أنا

عندما ينتشر المساء في السماء

مثل مريض مُخدر على سرير

لنمضي في شوارع نصف مهجورة

إنها مأوى التراجع

لـ ليالي الأرق في فنادق الليلة الواحدةالرخيصة

والمطاعم المفروشة بنشارة الخشب وأصداف المحار

الشوارع التي تتابع كنقاشٍ ممل

بنوايا خبيثة

لتدفعك إلى سؤالٍ مٌلح

آه، لا تسأل ما هو؟ دعنا نمض، ونقم بزيارتنا

 

في الحجرة، النساء يجئن و يذهبن

يتحدثن عن مايكل أنجلو

 

الضباب الأصفر الذي يحك ظهره في زجاج النافذة،

الضباب الأصفر الذي يحك أنفه في زجاج النافذة،

لعق بلسانه زوايا المساء،

تسكع فوق البرك التي تجمعت في مصارف الأمطار،

ترك السخام المتساقط من المداخن يسقط على ظهره،

إنزلق عبر الشرفة

قفز فجأة،

و عندما رأى أنها ليلة من ليالي أكتوبر الناعمة

تكور على نفسه بجوار المنزل، ونام

 

طبعاً سيكون هناك وقت

للدخان الأصفر الذي ينزلق بطول الشارع

فاركاً ظهره في زجاج النوافذ

هنالك وقت .. هنالك وقت

لتعد وجهًا تقابل به الوجوه التي ستقابلها؛

سيكون هنالك وقت لتقتل و تخلق،

و وقت لكل الأعمال وأيام الأيادي *

التي ترفع سؤالاً ثم تلقيه في طبقك،

وقت لك، ووقت لي

ووقت أيضًا لمائة تردد

ولمائة تصور وتعديل

قبل تناول قطعة توست وشاي.

 

في الحجرة، النساء يجئن و يذهبن

يتحدثن عن مايكل أنجلو

 

حتمًا هناك وقت

لأتساءل : “هل أجرؤ ؟، و .. “هل أجرؤ ؟

وقت لأعود أدراجي وأهبط السلم؛

ببقعة صلعاء في منتصف شعري

[سيقولن: يالشعره وقد بدأ يخف]

ومعطفي الصباحي وياقتي المشدودة بإحكام إلى ذقني

ربطة عنقي الأنيقة المتواضعة لكنها مثبتت بدبوس بسيط

[سيقولن: لكن ما أنحف ذراعاه و ساقاه]

هل حقا أجرؤ على أزعاج العالم؟

في الدقيقة هناك وقت

لإتخاذ القرارات والتراجع عنها

مما سوف تعيدها دقيقة أخرى !

 

ذلك لأنني قد عرفتهم جميعًا قبل هذا، عرفتهم كلهم

قد عرفت الليالي و الصباحات و الأصائل

لقد قستُ كل حياتي بملاعق القهوة

أعرف الأصوات التي تتوارى بوقع خافت *

خلف الموسيقى الآتية من غرفة بعيدة

فكيف إذن أجرؤ؟

توماس جيفرسون والمبتعثون

إن أكثر مايؤلمني عند الحديث مع صحبتي عن الولايات المتحدة الأمريكية وثقافتها وتاريخها هو الجهل الكبير الذي يعيشون فيه. إن صورة هذه الدولة لديهم لا تتعدى المغنين والممثلين والأشياء الدنيئة كما تضعها أمامنا الماكينة الإعلامية. لا تستطيع أبداً إقتصار ثقافة معينة في جزء بسيط كهذا أو حشرها في سلة المهملات كما يفعل البعض. الله سبحانه وتعالى كلف كل مسلم بحمل رسالة الدعوة إلى الإسلام إلى كافة شعوب الأرض التي يقابلها. ولن يتمكن أحد على الإطلاق من حمل رسالة جديدة ومنظومة دينية وأخلاقية إلى شعب آخر دون أن يعرفه ويفهمه جيداً.

لا يمكن التطرق للحديث عن أمريكا دون الحديث عن كاتب مسودة إعلان الإستقلال الأمريكي والرئيس الثالث لهذه الدولة الفتية حينها توماس جيفرسون – 1743-1827“. هذه الشخصية التي لا تتكرر أبداً ولا يوجد لها شبيه في التاريخ الحديث ماتزال مثاراً للجدل والدراسات للمهتمين في التاريخ والسياسة الأمريكية. هل يمكننا التطرق لجيفرسون دون أن ننظر إلى أسطورته في التاريخ الأمريكي كرئيس ودستوري ومعارض سياسي ومزارع ومبتكر ومفكر وموسيقار وكاتب ومحامي وأب وأرمل ومالك عبيد ومهندس معماري ومصمم مناهج دراسية ومؤسس لجامعة فيرجينا.. إلى الدرجة التي قال عنه الرئيس الراحل جون كينيدي في حفل تكريم الفائزين بجائزة نوبل عام 1962، أنه لم يجتمع مثل هذا العدد من المفكرين والموهبين والمثقفين في البيت الأبيض إلا عندما كان يتعشى هنا توماس جيفرسون!

هذا الرجل الذي إنسحب من المحاماة لعدم قدرته على الخطابة وصوته الرخيم، الذي كما يقول عنه صديقه المقرب وعدوه لفترة الرئيس الثاني للولايات المتحدة الأمريكية جون آدمزأنه طوال فترة خدمته في الكونجرس القاري قبل الثورة وبعدها لم يتكلم إلا ثلاث مرات!!

أتت حرب الخليج وإستيقظ جيلنا على الحلم الأمريكي والقوة الكبرى في العالم في إنبهار ودهشة كبيرة. إلى الدرجة التي أتذكر أنه في حديث عائلي في قريتي الصغيرة في نجد سألنا أخي الصغير الذي يتطلع إلى أولى خطواته في التعليم، ماذا يريد أن يكون حين يكبر؟ ويجيب على والدي بدون تردد بأنه يود أن يكون طياراً حربياً أمريكياً. أعني بهذه الحادثة الشخصية جداً بالإشادة أو التنبيه على حجم تغلغل الإعجاب بهذا الشعب الغريب عنّا والدولة التي أتت لتسعف إخوتنا في الكويت وتضع كل ثقلها تأثيراً على عقول وتفكير هذا الجيل القادم في المملكة. ثم أتى لدينا هذه الثقافة الغربية بكل جوانبها الجيدة والسيئة في وسائل الإعلام مثلما أصبحت الطعام المحبب في الأحاديث العائلية والمناسبات الإجتماعية الخاصة. لكن في الحقيقة ماذا نعرف عن هذه الدولة التي يريد أحد أبنائنا أن يكون سلاحاً في قواتها الجوية!

هذا الرمز، الأسطورة، الأب، توماس جيفرسون هو الشخصية التي يمكن أن تعرف منها كل ماتحتاجها عن أسباب قيام الثورة الأمريكية ووولادة هذه الدولة التي أصبحت تحرك العالم أجمع كيفما تشاء.

Thomas Jefferson

هذا الرئيس الأمريكي هو الذي قام بأول إفطار في شهر رمضان للمسلمين تكريماً للسفير التونسي عام 1805، و هو صاحب النسخة المترجمة من القرآن الكريم التي أقسم عليها أول سناتور مسلم في تاريخ أمريكي. ولا أعني أنه كان يميل إلى الإسلام بأي شكل من الأشكال. لكنه كان شخصية عظيمة لم تضع فقط بصماتها في التاريخ الأمريكي لكن خلدت إسمها إلى الأبد. وقد لمح إلى هذه الحادثة الرئيس الحالي باراك أوباما في أول طعام إفطار يقيمه في البيت الأبيض عام 2009.

كانت أولى قراءاتي عن توماس جيفرسون في خريف 2009 عندما قرأت مقالة في جريدة نويورك تايمز عن العلاقات الصينية الأمريكية. وأذكر أن أكثر ما شدني وقتها أن المقالة تطرقت للحديث عن السيد جيفرسون وتعلمه اللغة الصينية قُبيل وفاته. – للمعلومية توفى السيد جيفرسون وهو يجيد الفرنسية والإيطالية واللاتينية والإغريقية والأسبانية وأكثر من 12 لهجة من لغة الهنود الحمرأعني أي عقل بشري يقضي لحظات عمره الأخيرة وهو يتعلم لغة جديدة؟و لأكتشف بعد هذا أن الكرسي المتحرك الذي أستمتع بالجلوس عليه هو أحد أختراعات السيد جيفرسون.

إن أهم ورقة مخطوطة في العالم هذه الأيام هي الورقة التي تحمل إعلان الإستقلال الأمريكي. الورقة إياها التي كتبها توماس جيفرسون وعرضها على رفقائه في لجنة كتابة إعلان الإستقلال جون آدمز وبنجامن فرانكلين – بالمناسبة هو رئيس اللجنة وأصغر شخص فيها ليراجعوها وإقترحوا تعديلات بسيطة عليها أثارت غضبه ليقول لهم بصوته الرقيق أن كل كلمة في هذه الورقة مُنتقاة بعناية فائقة وإستغرقته 17 يوماً قضاها في كتابة ومراجعة هذا النص التاريخي وكان ملاذه الوحيد وتسليته هو العزف على الكمان في شقته الصغيرة في فلاديلفيا.

هذا الرجل الذي أحاول تسويقه لكم يا أصدقاء كتب إلى أحد أصدقائه يخبره أن بيته وكل مايملك إحترق وهذا لا يهمه أبداً لكنه يكاد يموت من القهر لإحتراق مكتبته وضياع كتبها التي تفوق 6000 كتاب ويطلب منه أن يرسل له مجموعة من الكتب في أول رحلة له إلى بريطانيا العظمى.

إنني أتطرق للحديث عنه وأتذكر رسالة كتبها إلى أحد أصدقائه يحذره من إرسال إبنه إلى الغُربة حيث ينبه على أن ارسال ابناء امريكا الى بريطانيا وفرنسا للدراسة في ضرر كبير، حيث يتعلم الفتية ثقافة مختلفة وعادات لا تتوافق مع المجتمع الأمريكي. كان يشدد على ان الفتى الامريكي المبتعث سيتعلم شرب الخمرة و الاعتياد على حياة الترف والاستقراطية الطاغية هناك. ربما أنني أذكر هذه الحادثة من أجل العريفي وأمثاله. لكن الحقيقة أن المسألة أكبر من هذا الشيء وتتعداه إلى ما هو أهم من سفاسف الأمور. إننا بحاجة إلى تعريف أبنائنا بشخصيات مثل توماس جيفرسيون وأثرها في التاريخ الأمريكي بدلاً من هوليود وأغاني الهيب هاب والمسلسلات الأمريكية. إنهم بحاجة إلى معرفة الرجل الذي قال ذات يوم أنه لمدة 50 عاما لم تشرق الشمس قط إلا و أنا قد غادرت فراشي“.

 

بعض المقولات لتوماس جيفرسون:

انني من اشد المؤمنين بالحظ واجد انني كلما اجتهدت في عملي كان حظي أوفر.

النصر والهزيمة يكلفان نفس الثمن.

حينما يتعلق الأمر بالأسلوب، اسبح مع التيار، لكن حينما يتعلق الأمر بالمبادئ، قف كالصخرة.

ثمن الحرية هو اليقظة الأبدية !!

حينما ترتكب الأخطاء إيماناً بأنه بالإمكان تحملها والتغاضي عنها، تكون المقاومة فعل أخلاقي.

ماهي الحكومة التي تحتفظ بحريتها إن لم يتم تحذير حكامها من وقت إلى وقت أن المواطنين يمتلكون روح المقاومة عندما يخشى الشعب حكومتهم يكون هناك طغيان، عندما تخشى الحكومة شعبها تكون الحرية.

كل مايتطلبه الطغيان للوجود هو ابقاء ذو الضمير الحي صامتين.

كم من الآلام تكبدنا بسبب الخوف والقلق من وقوع مصائب لـم تقع أبداً.

من لا يقرأ شيئا على الإطلاق أكثر ثقافة ممن يقرأ الصحف فقط.

لا تشتري ما لا تحتاج لرخص ثمنه، فسوف يصبح عزيزاً عليك.

هذه التدوينة بذرة لبحث مطول عن السيد توماس جيفرسون/ أسأل الله أن يهبني القوة والوقت لإتمامه. آمين

كتاب أبي ومكتبة عنيزة العامة وتوماس جيفرسون

كان جيم الرقيق يركض نحو المدينة إلى مكتب سيده توماس جيفرسون، يركض بكل قوة يمكن أن يتحملها جسده النحيل. فتح باب المكتب وهو يصرخ سيدي سيدي سيدي“. إنتبه له سيده توماس وأغلق الكتاب الذي يقرأه وقال:” ماذا تريد يا جيم“. أجابه بصوت مبحوح:” البيت إحترق ياسيدي“. توماس أصابه الذعر وإحمر وجه بسرعة: “ ماذا عن كتبي؟“!!
في الأيام اللاحقة قام السيد توماس جيفرسون بمخاطبة دور النشر في قارة أوروبا ليمدوه بالكتب التي إحترقت ويدفع الغالي والرخيص من أجل الحصول عليها وفي مقدمتها أول ترجمة للقرآن الكريم!
يخبرنا التاريخ أن السيد توماس جيفرسون أعاد بناء مكتبته في عشرين سنة ليتبرع بها للحكومة الأمريكية لتصبح فيما بعد مكتبة الكونجرس، المكتبة الأعظم في تاريخ البشرية حتى هذه اللحظة.

أعتقد أنه وقت ظهيرة في يوم خميس صائف بالتحديد. أتذكر أن طعام الغداء كان جاهزاً ونحن بإنتظار عودة أبي من مدينة عنيزة بمنطقة القصيم التي يربط القرية بها طريق واحد وتبعد مسافة ساعة بالسيارة إن كنتم مهتمين بتفاصيل أكثر عنها. ولا حاجة لي لأسترجع هذا الآن لأنها مازالت المدينة الأقرب لنا والمكان الوحيد للتسوق لجميع حاجيات الأسرة والملتزمات الزراعية التي تحتاجها عائلة تمتهن الزراعة لكسب العيش. كنت طفلا كما يمكن أن تصنفوني وفي أولى خطواتي نحو أرض الرجال كما أريد أن أراها<span style=”font-family:Traditional

Arabic;”>.

والدي كان في رحلة من أجل شراء آلة حصد جديدة لمحصول البرسيم، ربما أنه البرسيم أو غيره. كنت في الحادية عشر من عمري وقتها. لم يكن هناك إلتزام بموعد أكل الطعام عندما يكون أبي في مشوار بعيد. لكنني ابن أبي ولم أمدُ يدي للطعام أبداً وأنا أعلم أنه في طريقه للعودة للبيت وهو لم يكن يمانع هذا أبداً، أعني أن نأكل قبل عودته. لدينا مواعيد محددة للطعام في المنزل لا نحيد عنها أبداً. طعام الإفطار
يكون بعد صلاة الفجر بساعة واحدة تماماً، والغداء والعشاء بعد إنتهاء الصلاة مباشرة
. هذا الشيء لا يمكن أن يتغير أبداً. وأجدني ملتزما به بشكل غير إرادي حتى هذا الوقت. أتذكر أن غداء يوم الخميس كان دجاج محمر بالفرن ورز وسلة فواكة، طعام الغداء لايتغير أبداً في فصل الصيف. يومٌ لحم ويومٌ دجاج أما رز بسمتيفهذا يبقى ثابتاً كموعد طعام الغداء مع لبن النعاج وسلة الفواكة. الرز للمعدة النجدية مثل الوضوء للصلاة، لا قبول للأخيرة إلا بالأولى. لا أدري من سن هذه السُنة، أمي أم أبي، إن أردتم الحقيقة.
والدي شخصية قليلة الكلام، كتوم بطبعه، لا يحبذ الكلام فيما هو غير ضروري، وقليل الإبتسام. لا أدري عن الصفة الأخيرة إن كانت جيدة لكنها تضفي على شخصيته الكثير من الهبة والإحترام. ملامح وجهه لا تتغير أبداً. لمن لا يعرفه عن قرب، لا يمكن التنبوء بمزاجه من تفاصيله. لكن لا تأخذكم أفكار كثيرة، والدي يحب المزاح كثيراً عندما يكون في مزاج يسمح له. لكنه في تلك الظهيرة كان منزعجاً بشكل كبير. وعندما تكلم، صب كمية من الشتائم لابأس بها على رأس مكتبة عنيزة الوطنية!
أحببت القراءة والكتب من والدي، وكان يوم الخميس هذا هو المرة الأولى التي أتسائل لماذا يغضب الإنسان من مبنى كبير يحمل أمهات الكتب. وقتها عرفت أن أبي إعتاد أن يستعير كتاباً كل اسبوعين من مكتبة عنيزة الوطنية. ويخصص له وقته بعد طعام العشاء حتى الساعة العاشرة ليلاً او الحادية عشر في قراءته. كتاب عن تاريخ شبه الجزيرة العربية و رفضت المكتبة إعارته الكتاب إلا برهن بطاقة الأحوال الشخصية مكانه حسب نظام جديد أصدروه وقتها في أوائل التسعينات الميلادية. كان أبي غاضب بشكل لم أعرفه وقتها.
منذ تلك اللحظة بالتحديد ابتدأت رحلتي مع الكتاب وعلاقة خاصة مع والدي. كنت أستيقظ صباحاً وأنتظر وقت وجبة العشاء لأجلس وأقراء كتاباً كما يفعل والدي في صالون الرجال – كلما عدت إلى القرية ، صالون الرجال هو صومعتيكانت لدينا مكتبة متواضعة جداً، يغلبها الطابع الديني. قرأت فيها البداية والنهاية وزاد المعاد وتفسير ابن كثير وبلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب وشاكلتها. وعندما انتسبت لجامعة الملك فهد بن عبدالعزيز في عام 2001 تعرفت لكتب الجابري وعالم الروايات وكتب الإدارة وكل مايتوق إليه شاب يعشق القراءة. كانت أياماً جميلة وأصبحت لدي عادة بأن أهدي والدي كتاباً كل شهر. محاولاتي الأولى كانت فاشلة ثم بعدها في حديث مقتضب بيننا عن التاريخ أخبرني أن التاريخ الحقيقي يكون في كتب السيرة الذاتية. مقولة قرأتها بعد هذا لأحد الكتاب الغربيين ولا يحضرني الإسم الآن.
إنني ممتن لهذا الخميس، ولكل الليالي التي قضيتها مع والدي في قراءة أمهات الكتب. إنني أتذكر هذه الحادثة الآن وأنا على وشك العودة إلى أرض الوطن بعد غربة إستمرت 4 سنوات. السنتان الأخيرتان لم أتمكن من العودة للوطن فيها. أقول أنني أتذكر هذا الحدث لأنني لا أدري كيف أتعامل مع مكتبتي الصغيرة هنا. لا أستطيع التفكير بأي شيء آخر الآن إلا هذه الكتب. أكثر من 200 كتاب في الفلسفة والتاريخ والأدب والسير الذاتية تمنعني التكلفة العالية جداً من حملها معي إلى المملكة. ويمنعني خوفي الأكثر عليها من سلطة الرقابة والأخطاء البشرية أن تضيع ولا تعود إلي. إنها مكتبة حرصت فيها على إقتناء أهم الكتب والأعمال التي أحتاجها في رحلتي الفكرية والعلمية وربما الترفيهية. من الموسوعة الفلسفية لـ الدكتور عبدالرحمن بدوي إلى الكوميديا الإلهية لـ دانتي. ولن تصدقوني إن أخبرتكم أنني أقضي جل وقتي هذه الأيام في التنقل بين هذه الكتب وإعادة قراءتها.
ربما أنني سأتبرع بالكتب العربية لأحد المطاعم العربية التي إعتدت إرتيادها. فكرت أن أهديها للمسجد لكن بعضها ملوث بالحديث عما لا يقبله بشر. ربما أنني سأضعها في مقهى بيروت في مدينة آرنلقتون ولاية تكساسوأبيع الكتب الإنجليزية. وغداً، غداً عندما أعود لأرض الوطن أعيد بناء مكتبتي كما فعل تومس جيفرسون.

لا أجيد هذا

إنني على وشك أن أنهي هذه الرحلة الطويلة المتعبة في الغربة. شارفت على الإنتهاء من أربع سنوات بعيداً عن والديّ وإخوتي وأقاربي وصحبتي الجميلة. وأحمد الله على كل شيء.

إنها لم تكن بالرحلة الهينة أبداً. كنتُ في بداية رحلتي أستهين بالبُعد عن الوطن. عن تراب نجد ورائحة القمح وظلال النخيل. كنتُ أعلل نفسي بأنني أعيش غربتي بين ثنانيا نجد. يالهذه الفكرة السخيفة. ولم أتوقف عند هذا الحد أبداً. منيتي نفسي بالحرية المنتظرة في الغربة. بكل ماهو جميل وخيّر. ولم أكن أدري أبداً أن لا أرض تحتملك مثل الأرض التي تطأها قدمي أمك ويُسجد على ترابها أباك وتلعب كرة القدم مع إخوتك عليها.

إنها أربع سنوات طويلة. أربع مُرة كالعلقم، عفنة مثل جثة بهيمة لم يخفف من وطأها إلا صوت أمي ورفقة طيبة صادفتها هنا.

قضيت أول سنة في سياتل. إنني أسجلها إعترافاً الآن. السنة الأولى كانت من أجمل مايمكن. كانت تفرغاً للقراءة والكتابة. كانت نزهة بكل ماتعنيها الكلمة. لم أعرف تلك النكسات التي تأتي على حين غرة وتفاجأك بغيمة من الكآبة لا تنتهي إلا بمرور أيام معدودة. كانت أيام تمضي وأنا لا أبارح مسكني في السنوات التالية. ووصلت بي الحال إلا الإنقطاع عن بعض المقربين لي. لم أجد فيها أي رغبة للتواصل الإجتماعي ولا الحديث.

إن أشد مافي الغربة هو إعتيادك الحديث مع الغرباء. أن تفتح قلبك لهم بدون أي شروط وتتحدث. ولا أجد اللياقة لأرسم لكم صورة عما يمكن أن يكون من هذا الأمر. ولا تنتطلقوا بعيداً وتعتقدوا أن المشكلة في الغرباء ورحيلهم أو رحيلك عنهم، لا وألف لا. المصيبة التي لا يمكن أن تتجاوزها هو أن تغلق قلبك عن المقربين لك. أن لا تحادثهم بتطلعاتك وأحلامك وربما همومك ومخاوفك. إنه شيء لا تلاحظه إلا بعد مرور وقت طويل وتشاهد بعينيك عتب المقربين منك.

أشد مايؤلمني هنا أنني فقدت نافذة التواصل الخاصة التي تجمعني بأخي الأكبر خالد، إلى درجة أنه يحمل عتباً كبيراً تجاهي حتى هذا اليوم ومازلت أخجل من الإتصال به. إنه شيء تتعلمه في الغربة أن تتجاهل العلاقات البشرية بشكل كبير. أنك تخلط بين الخوف من الغرباء والبعد المكاني عن المقربين لك.

إنني أريد أن أرفع الهاتف واخبر خالد أن السبب الوحيد الذي دفعني إلى الإغتراب وإكمال دراستي هو خالدبذاته. أن كل ما أريده هو أن أعود إلى أرض الوطن وأهدية شهادتي وأقبل رأسه.

دبدوب يبحث عن طفل في دانكن

20111129-074512.jpg

آنية أمي

في الليلة التي انتحر فيها راعي القرية، كنتُ في طريقي إلى البيت؛ أُصفّر. هذا الفعل صعبٌ جداً. أعني أن تخرج ليلاً لتصفية ذهنك في قرية صغيرة كهذه. المشكلة في أهاليها، أنهم يقضون النهار في انتظار من يخرج للمشي ليلاً ليأكلوا لحم ظهره وربما النهار أيضًا. أهالي القُرى يعشقون الغيبة بشكل لافت، إنها الشيء الوحيد الذي يُجيدون فعله. أنا ابنهم وأعرفهم جيدًا، يبحثون عما يشوه سمعتك بأي طريقة ممكنة.

أتيته بالعشاء تلك الليلة. راعي القرية الآسيوي. كان هذا قُبيل الصلاة. كل حاجياته كانت منظمة ومرتبة وكما يجب أن تكون. لم يكن هناك شيء يوحي بما سيحدث لاحقًا. أشعلنا سيجارتين سوياً. أخبرني أن اللحظات الجميلة تنطلق عندما تُشعل لفافة تبغ. ولا يهم إذا كانت من النوع الممتاز أو الرديء لأن المهم هو نفخ رئتيك بأكبر كمية من النيكوتين ثم تقيء ماتظنه “هم اليوم”. إنها خدعة قديمة تحتال بها على عقلك. تهرب من الحياة إلى أعقاب السجائر ومن أعقاب السجائر تعود إلى الحياة.

كنّا ننفث شقاء يوم كامل في الهواء ونُصفّر لحناً هندياً قديماً. لم نتحدث عن شيء. الحديث شيءٌ كمالي لا حاجة إليه مع الرعاة. والحقيقة أن وجههُ الشبيه بالباذنجانة المهشمة لا يعطيكَ خيارات كثيرة لتحرك لسانك. ربما أن تقول له: أنت بخير؟ و أين ذهبت القطة؟ أية استطرادات أخرى لا يمكن أن تأتي إلى ذهنك. المتعة الوحيدة هي في اللعب مع قِطته الرمادية التي أفلتت من حملات الإبادة الوحشية على أيدي أطفال القرية.

عيناه مُبللتان بالدمع منذ أول مرة رأيته فيها. في الوهلة الأولى تعتقد أنه يبكي لكن بعد أن تعتاد على رؤيته، تعتاد على رؤية الدموع تجتمع في عينيّه وتبقى كأنها لاتمتلك خيار الإنسكاب. إنه شيء غريب جداً عندما تفكر في هذه الدموع. كان يُقلب سيجارة بين أصابعه ويضحك بشكل غريب. سألني سيجارةً أخرى وأخبرني أنه سيلحق بي للصلاة في مسجد القرية لكنه لم يأتِ وحقيقةً لم أكترث حينها إلا لصحن العشاء وسؤال أمي عنه. هنا تكمن المسألة، أغلى ما تملكه المرأة هي أواني المطبخ. أصرت أمي أن أعود إلى الراعي وآتي إليها بالصحن قبل أن يعيث فيها فسادًا. الداعي للسخرية أن العمالة الآسيوية في نظر أمي بعيدة كل البعد عن النظافة. ورغم هذا فهي ترضى أن يأكلوا في أوانيها!

الراعي كان يقيم في “عِشة” بناها بيديه العاريتين من بقايا الألواح والأخشاب المبعثرة في القرية. بناها في الجهة المقابلة لبيت أمي والمسجد. على بعد نصف ميل في العراء. لا أدري لماذا اختار هذا المكان بالتحديد. في الحقيقة إن “عشته” ليست مكاناً لائقاً ليعيش فيه رجلٌ أعزب شارف على بلوغ العقد الثالث من عُمره. لكن من يهتم كيف يعيش الراعي أو تحت أي مصيبة ينام طالما أن الأغنام ترعى جيدًا والحليب لاينقطع عن البيوت، ويعود الصحن اللعين إلى أمي.

في النهار كنتُ أعبر الشارع لأدخن وفي الليل لأسترجع الآواني التي ولغ فيها الراعي. تلك الليلة، تَبعتُ ضوء مصباح الجيب في العتمة وأنا أٌصفّر. المشكلة أنك حين تستخدم المصباح وضوءه الضعيف لا تنظر نحو الأعلى. عيناك لا تفارقان ضوء المصباح. في داخل العِشة، قدماه متدليتان في الهواء. هذا كان بمثابة الصدمة، أعني أن عينيّ اصطدمتا بظل رجليه بدون مقدمات. أعني هذا حرفيًا. ظلهما كان ممتداً حتى الباب في مشهدٍ مُرعب. أعني أنه لم يكن لدي متسع من الوقت لأتنبأ بهذه المصيبة وأستعد نفسيًّا لها. رفعتُ كشاف الضوء. في البداية تملكني الفضول لأرفع المصباح لكن الخوف استوقفني وعطل خلايا التفكير في رأسي. أعتقد أن التصفّير كان السبب الرئيسي في كل هذا، أمي كانت تحذرني من مغبة التصفير في العتمة. رفعت المصباح إلى الأعلى لأجد الراعي مشنوقًا مثل ما يفعله رعاة البقر بالخارجين على القانون، إنهم يشنقونهم من على أغصان الأشجار أو هكذا نشاهدهم عبر شاشة التلفاز. هذا أول ماخطر بذهني؛ أعني رعاة البقر.

الراعي استخدم أحد الحبال التي يربط بها الأغنام. حبلٌ من البلاستيك لونه أزرق. أعرفهُ جيداً، كنتُ ألفه حول رقاب نعاج جارنا “أبو عبدالله” في فجر كل خميس عندما نذهب لبيع الأغنام في السوق. ربط الحبل في سارية الِعشة ولفه حول رقبته. ربما لم تكن المرة الأولى التي جرب فيها أن يشنق نفسه لكنه كان ميتًا جدًا عندما رأيته. لسانه كان مُتدليّا من فمه. وعيناه شاخصتين نحو السقف. أعني أنني ذُهلت أول الأمر، ولم أعرف ماذا أفعل. عندما تشاهد رجلاً مشنوقاً لأول مرة لا تعرف ما الذي يمكن أن تفكر فيه. لم أفكر إلا بمغبة التصفّير في العتمة. لكن بعد ذلك عادت إلي الذاكرة. تذكرته قبل أربعة أشهر. كنتُ أحياناً أجلس إليه في ساعات الظهيرة بعد وجبة الغداء ونصفّر ألحان الأغاني الهندية سيجارة بعد سيجارة. هذه لغة التواصل بيننا في البدء. ثم أصبح بيننا إتفاق ضمني أن أعلمه اللغة العربية مقابل أن يعلمني فن التصفير.
ركضت نحو القرية وجمعت أكبر كمية من أهالي القرية ليشاهدوا بأعينهم الراعي معلقاً في سقف عِشته التي بناها بيديه النحيفتين. إن أردتم معرفة الحقيقة، كان ركضاً من أجل تبرئة نفسي. وعندما أتت الشرطة والإسعاف، كان لا شيء يمكن فعله. انتحر الرجل وأنهى كل مايمكن أن يحدث بحياته. لم يدخن لفافة التبغ بأكملها، لم يأكل وجبة العشاء ورماها للقطة أمام بوابة وكره الخشبي. لا أظنه كان يجد اللياقة الكافية والشهية المفتوحة للتدخين. وضع حاجياته في شنطته السوداء وفوقها وضع آنية أمي نظيفة

.

نشر في جريدة الحياة يوم الخميس 13 اكتوبر

Today’s Quote

The time to guard against corruption and tyranny is before they shall have gotten hold of us. It is better to keep the wolf out of the fold, than to trust to drawing his teeth and talons after he shall have entered. – Thomas Jefferson


تغريدة تويتر

  • RT @hussainalharbi: ألف مبروك لسلطنة عمان وللروائيه العمانية #جوخة_الحارثي والمترجمة مارلين بوث على فوز رواية #سيدات_القمر في ترجمتها الإنج… 5 hours ago
  • RT @JamalAlBah: في دراسه اجريت ب #الشارقه حول غلاء المعيشه وجدت انه لأيمكن ان تعيش الاسره حياه كريمه بدخل اقل -17500لذا تم زيادة رواتب كافة… 6 hours ago
  • RT @Enes_Kanter: “I’m for truth, no matter who tells it. I'm for justice, no matter who it's for or against.” Happy Birthday #MalcolmX ✊… 2 days ago
  • RT @Akrabawi10: روان سامي طبيبة أردنية تم الاعتداء عليها بسبب عدم توفر سرير في المستشفى. رسالتها مؤلمة https://t.co/9tee2kGRjK 2 days ago

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 52٬877 hits