الرياض: الرسالة الأولى

يبدو أنني اخترت الإقامة في المدينة المقربة من عرش الشيطان“. الأكثر ولاءًا لوساوسه بشكل ملفت وإن لم يكن بها ماء“. إنني اخبرك هذا بكل أريحية ممكنة وأعرف الدهشة التي ستقتلك. أعرف هذا دونما شك يزعزع إيماني الأصيل بأن الحياة ابتسامة، لكنها المدينة التي يُسمونها بلا وجه حق بـ الرياض“! إن هذا الذي أجده فيها حقيقة راسخة لا تهتز بطاريء سار أو غيره يمكن حدوثه هنا إلا أن يُرسل الله ملائكته ليطهروا هذه البقعة من النجس. وإن كنتُ أجده مستحيل الحدوث بأي حال من الأحوال لأن هذه الأرض قد وصلت إلى مرحلة متناهية في النفاق والزندقة وما لا يمكن التطرق إليه أمام العامة!

الإقامة هنا، يارفيق الأيام الجميلة، تختلف عن جميع تجاربي السابقة في التنقل بين المدن. لا أجيد التعامل مع طبيعتها القاحلة. تعرف أنني نشأت بين بساتين القرية وحقول القمح في أنقى صور البساطة. عشت طفولتي بين النخيل وقطعان الماعز والآن أجدني في مدينة مترامية الأطراف، متباعدة النواحي. لم يُخيل إلي أبداً أن أسمع من أحدهم أن شمال المدينة غسله المطر بينما يتسخ شرقها بالتراب والغبار. أو أن أسير لمدة نصف ساعة بدون أن أجد شجرة أو طيور. ليس لأن الأشجار معدومة هنا، لكنهم يغرسونها في الطرقات، في منتصفها بالتمام حارمين البشر من منافعها ورطوبتها. إنه غريب بغرابة مزاج أهلها النزق أبداً، غريب بغُربة الابتسامة عن وجههم. الإقامة هنا يا ياصاحبي تحتاج إلى إيمان كبير برحمة الله وبأن الخير مازال موجوداً بين إسمنتها وحديدها.

لا أريد أن أن أتجاوز اللباقة في الحديث عن مدينتك، لكن يا صاحبي إنها ليست مدينة، ليست مكان يليق بالعيش للبشر. هذا المكان الذي كنتُ أتصوره مثل لوحة بديعة، رسمها فنان عريق من العصر الرومنسي، اهتم في تفاصيلها وألقى عناية فائقة لتمازج الألوان فيها، كان تصور طفل قرية يشده الفضول إلى اكتشاف العالم. .. تصحيح: الرغبة في اكتشاف العالم ليس من تخصص سذاجة الأطفال. إنها لوحة فعلاً لكنها لوحة لرسام مخمور غاضب، لم يجد أمامه إلا أن يضرب بريشته على ورقة بيضاء بلا هوادة إلى أن فقد وعيه.

أجدني مضطراً لأتعاطف معها سكانها بشكلٍ كبير. إنهم ليسوا بأحياء أبداً. ملامح وجوههم تقتلها الجدية والإنهاك. إنهم منهكون دائماً، محتارون أبداً، عابسون طوال الوقت. إنهم لم يعرفوا الحياة حتى هذه اللحظة، لم يعرفوا أن اليوم يبدأ بابتسامة وينتهي بثلاث ركعات شكراً للخالق. وبأن التحية التي إختارها لنا الاسلام كلها رحمة وبركات لا تنتهي. إنه شيء متناهي في الغرابة كيف يعيشون في خطب واضطراب متواصل تحت تأثير أقداح القهوة والشاي التي لا يعرفوا غيرهما. أن تكون المحادثة القصيرة مع الغرباء جافة تماماً وبدون أي تراحم ومودة.

لا أجد لحناً تكون عليها الوقائع هنا. الصباح يخرجون من بيوتهم مثل المجانين، يركبون سياراتهم ويهجمون على الطرقات مثل الصراصير النافرة من المبيدات. الصباح هنا حفلة صرايصر كبيرة. يتقاتلون عند كل منعطف، يبحثون عن الشتائم في كل منزلق، إنها حياة تكللها الشتائم واللعنات في كل وقت. إنني انصهر تحت شمسها وفوق اسفتلها وهذه الكآبة الجاثمة عليها. إنني في طريقي لأكون من أهلها يوما إثر يوم.

مزاج الناس وأفعالهم والطرقات والأسمنت والنفايات المتراكمة والشمس الحارقة. أوه والغبار والعواصف الرملية التي لا تتوقف. الغبار الذي لا نهاية له. حتى القهوة ليست بالطعم إياه ولا النكهة ذاتها. كل شيء إختلف علي وتغير حتى عاداتي التي لا يوافقني عليها أحد. كلها أصبحت بلا طعم ولا لذة.

إنها شقة من غرفة واحدة،، شقة صغيرة إختارتني قبل أن أختارها. بعيدة عن صخب المدينة ودخان عوادم مركباتها. إخترتها بعناية فائقة، أعني في حدود الخيارات المتاحة أمام شاب أعزب. فالأعزب هنا كلب كسير ضال لا أحد يقبل به إلا الخراب من المساكن والأماكن المشبوهة. هذه الشقة في مبنى مكون من طابقين، مدخلها بإتجاه الجنوب. غرفتي شمالية في الطابق الثاني. شمالية مثل صوت فيروز. إنها ممتدة بشكل طولي، أرضيتها من السيراميك الناعم وأثاثها بسيط جداً. تحمل الرقم 203، متوسطة باقي الشقق، بابها خشبي عريض، تجد دورة المياة أعزك الله – على يسارك. إنه نظيف وجديد بالكلية. صالة الجلوس مقابلة للباب بالضبط. أثاثها يحمل لون الخشب البُني الفاتح. وبها طقم من الكنب يتسع بالكاد لثلاثة أشخاص خفاف. وطاولة في المنتصف على شكل مثلث متساوي الأضلاع، إنه تصميم غبي لطاولة قهوة، لكن لا قول لي في هذا. إنني أعاني من مشكلتني هنا. التلفاز ودولاب الملابس. فالتلفاز صغير وليس من صناعة عالمية معتبره. إنه من جيل الأجهزة القديمة التي لا أحد يبيعها، ربما حراج بن قاسم كما يخبرني بعض الأصدقاء هنا. أما دولاب الملابس فتصميمه حديث نوعاً ما. إنه دولاب مكشوف، من يدخل غرفة النوم يستطيع أن يشاهد كل أشيائي بوضوح. ربما هذا يدفعني إلى شراء سلة للملابس المتسخة، ربما مستقبلا.

أتيت بمجموعة كتب ورميتها على الأرض، إنني لا أحب أن أضع الكتب على الرفوف إلا بعد أن أنتهي منها. إنها 13 كتاباً لم أرفع منها إلا واحداً فقط. لم أقرأ إلا إياه منذ أن مكثت هنا. لا أجد رغبة في ذلك ولا عزيمة على وضع الكتب المتبقية على الرفوف. أعتقد أن هذه البعثرة ستخلق إنطباعاً لزواري بأنني منهمك في القراءة دائماً. هه، أتمنى ذلك.

هذا ليس كل شيء. لكن أعتقد أنني سأمكث هنا طويلاً، لا أدري لماذا أفكر جدياً في البحث عن منزل لشراءه، أو شقة . لا أعرف لماذا لكنها فكرة مسيطرة على عقلي كل الوقت. إنني لا أدري فعلاً ماذا أفعل غداً. أفكر في جمع نصوصي ونشرها في كتاب، وأحياناً أفكر في كتابة رواية عن حارس مدرسة فتيات في القرية! عن رجل أربعيني طاهر يكافح من أجل لقمة العيش ولا أحد يرحب فيه. ويحسده باقي الرجال على وظيفته. إنه أعزب، كثير الحديث. ليس متعلماً ولا يعرف شيء خارج حدود القرية. بعيد عن هذا العالم العفن.

هذا كل ما أردت أن أحدثك عنه، عن هذه المرحلة الحرجة في حياتي وعن الرياض، وكل ما أردت قوله يا صاحبي أنني في أقاتل من أجل الحياة التي أعرفها في القرية، وكل الأشياء الجميلة التي تربيت عليها.

2 Responses to “الرياض: الرسالة الأولى”


  1. 1 ola 2 يونيو 2012 عند 10:08

    كلماتك رائعة أحببتها حقا … و بالرغم من أني أحن إلى الرياض – مسقط رأسي – .. و أحن إلى أيام طفولتي فيها و إلى مدرستي و بيتي .. إلا أنك صادق فيما ذكرت .. فكل الأحاسيس التي عبرت عنها بطريقة رائعة لا انكر أيا منها .
    و للأسف زرتها بعد فراق طويل ..أبحث عن شيء مما بقي من الماضي .. فلم أجد شيئا
    حتى شجرتي التي كنت أسقيها و ألعب تحت ظلالها ذهبت .
    ولحسن الحظ … تركتها و أنا أحمل معي أجمل تذكار … ابتسامة صاحب البقالة المجاورة لمنزلنا بعد أن تذكر أسرتنا رغم طول الغياب ..
    من الجميل أن نشعر بصلة ما بالماضي الذي نحب ولو تغير كل شيء حولنا .

    أنتظر رسائلك القادمة 🙂 و أرجوا ألا تطيل الإقامة فلربما تحول قلمك أيضا إلى بقايا اسمنت .. هههه

    • 2 ياسر 21 يونيو 2012 عند 06:55

      المشكلة أن الناس انصهرت مع الاسنمت والحديد ولم يبق لديها من العيش إلا أن تلهث وتركض من أجل الفراغ. لا متعة، لا ابتسامة لا حياة

      شكرا على تواجدك


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 49,133 hits

%d مدونون معجبون بهذه: