لا أجيد هذا

إنني على وشك أن أنهي هذه الرحلة الطويلة المتعبة في الغربة. شارفت على الإنتهاء من أربع سنوات بعيداً عن والديّ وإخوتي وأقاربي وصحبتي الجميلة. وأحمد الله على كل شيء.

إنها لم تكن بالرحلة الهينة أبداً. كنتُ في بداية رحلتي أستهين بالبُعد عن الوطن. عن تراب نجد ورائحة القمح وظلال النخيل. كنتُ أعلل نفسي بأنني أعيش غربتي بين ثنانيا نجد. يالهذه الفكرة السخيفة. ولم أتوقف عند هذا الحد أبداً. منيتي نفسي بالحرية المنتظرة في الغربة. بكل ماهو جميل وخيّر. ولم أكن أدري أبداً أن لا أرض تحتملك مثل الأرض التي تطأها قدمي أمك ويُسجد على ترابها أباك وتلعب كرة القدم مع إخوتك عليها.

إنها أربع سنوات طويلة. أربع مُرة كالعلقم، عفنة مثل جثة بهيمة لم يخفف من وطأها إلا صوت أمي ورفقة طيبة صادفتها هنا.

قضيت أول سنة في سياتل. إنني أسجلها إعترافاً الآن. السنة الأولى كانت من أجمل مايمكن. كانت تفرغاً للقراءة والكتابة. كانت نزهة بكل ماتعنيها الكلمة. لم أعرف تلك النكسات التي تأتي على حين غرة وتفاجأك بغيمة من الكآبة لا تنتهي إلا بمرور أيام معدودة. كانت أيام تمضي وأنا لا أبارح مسكني في السنوات التالية. ووصلت بي الحال إلا الإنقطاع عن بعض المقربين لي. لم أجد فيها أي رغبة للتواصل الإجتماعي ولا الحديث.

إن أشد مافي الغربة هو إعتيادك الحديث مع الغرباء. أن تفتح قلبك لهم بدون أي شروط وتتحدث. ولا أجد اللياقة لأرسم لكم صورة عما يمكن أن يكون من هذا الأمر. ولا تنتطلقوا بعيداً وتعتقدوا أن المشكلة في الغرباء ورحيلهم أو رحيلك عنهم، لا وألف لا. المصيبة التي لا يمكن أن تتجاوزها هو أن تغلق قلبك عن المقربين لك. أن لا تحادثهم بتطلعاتك وأحلامك وربما همومك ومخاوفك. إنه شيء لا تلاحظه إلا بعد مرور وقت طويل وتشاهد بعينيك عتب المقربين منك.

أشد مايؤلمني هنا أنني فقدت نافذة التواصل الخاصة التي تجمعني بأخي الأكبر خالد، إلى درجة أنه يحمل عتباً كبيراً تجاهي حتى هذا اليوم ومازلت أخجل من الإتصال به. إنه شيء تتعلمه في الغربة أن تتجاهل العلاقات البشرية بشكل كبير. أنك تخلط بين الخوف من الغرباء والبعد المكاني عن المقربين لك.

إنني أريد أن أرفع الهاتف واخبر خالد أن السبب الوحيد الذي دفعني إلى الإغتراب وإكمال دراستي هو خالدبذاته. أن كل ما أريده هو أن أعود إلى أرض الوطن وأهدية شهادتي وأقبل رأسه.

4 Responses to “لا أجيد هذا”


  1. 1 Ola Alhadi 13 ديسمبر 2011 عند 09:11

    ما أجمل ما كتبت … هذا الصراع النفسي . كيف أننا نتغير أحيانا دون أن نشعر .. ومن ثم ندرك فجاة أننا قطعنا أشواطا بعيدة عن انفسنا التي كنا نعرفها .
    الغربة مؤلمة ، وكل منا يأخذ منها تجاربه الخاصة ، كل منا يتجرع شيئا من كؤوسها ثم يعود إلى وطنه كالسكران .. سكران المشاعر ، لا يملك أن يقول شيئا .
    ولكن كتجارب الحياة .. هي تصقلك ، فأنا احمد الله على كل ما مررت به ، لأنه بدونها ما كنت انا اليوم وما كنت أنت اليوم .
    تدوينة صادقة أحببتها ..
    استمر 🙂

  2. 3 moon-B 7 يناير 2012 عند 04:00

    ..لن تنال المجد حتى تلعق الصبرا ..(( او شي يشابه ذلك 🙂
    جميل جداا ان تكتب بكل هذه الشفافيه و المصداقيه …هون عليك كلنا مررنا بمراحل من العزلهو فقدان التواصل بل قد نحتاج اليها احيانا لكي نعيد حساباتنا بالحياه ..ابتسم و عد الى بلادك رافعا راسك ..و ستجد الكل بانتظارك و بشوووق ..و اولهم والديك 🙂
    حفظك الله


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 49,413 hits

%d مدونون معجبون بهذه: