آنية أمي

في الليلة التي انتحر فيها راعي القرية، كنتُ في طريقي إلى البيت؛ أُصفّر. هذا الفعل صعبٌ جداً. أعني أن تخرج ليلاً لتصفية ذهنك في قرية صغيرة كهذه. المشكلة في أهاليها، أنهم يقضون النهار في انتظار من يخرج للمشي ليلاً ليأكلوا لحم ظهره وربما النهار أيضًا. أهالي القُرى يعشقون الغيبة بشكل لافت، إنها الشيء الوحيد الذي يُجيدون فعله. أنا ابنهم وأعرفهم جيدًا، يبحثون عما يشوه سمعتك بأي طريقة ممكنة.

أتيته بالعشاء تلك الليلة. راعي القرية الآسيوي. كان هذا قُبيل الصلاة. كل حاجياته كانت منظمة ومرتبة وكما يجب أن تكون. لم يكن هناك شيء يوحي بما سيحدث لاحقًا. أشعلنا سيجارتين سوياً. أخبرني أن اللحظات الجميلة تنطلق عندما تُشعل لفافة تبغ. ولا يهم إذا كانت من النوع الممتاز أو الرديء لأن المهم هو نفخ رئتيك بأكبر كمية من النيكوتين ثم تقيء ماتظنه “هم اليوم”. إنها خدعة قديمة تحتال بها على عقلك. تهرب من الحياة إلى أعقاب السجائر ومن أعقاب السجائر تعود إلى الحياة.

كنّا ننفث شقاء يوم كامل في الهواء ونُصفّر لحناً هندياً قديماً. لم نتحدث عن شيء. الحديث شيءٌ كمالي لا حاجة إليه مع الرعاة. والحقيقة أن وجههُ الشبيه بالباذنجانة المهشمة لا يعطيكَ خيارات كثيرة لتحرك لسانك. ربما أن تقول له: أنت بخير؟ و أين ذهبت القطة؟ أية استطرادات أخرى لا يمكن أن تأتي إلى ذهنك. المتعة الوحيدة هي في اللعب مع قِطته الرمادية التي أفلتت من حملات الإبادة الوحشية على أيدي أطفال القرية.

عيناه مُبللتان بالدمع منذ أول مرة رأيته فيها. في الوهلة الأولى تعتقد أنه يبكي لكن بعد أن تعتاد على رؤيته، تعتاد على رؤية الدموع تجتمع في عينيّه وتبقى كأنها لاتمتلك خيار الإنسكاب. إنه شيء غريب جداً عندما تفكر في هذه الدموع. كان يُقلب سيجارة بين أصابعه ويضحك بشكل غريب. سألني سيجارةً أخرى وأخبرني أنه سيلحق بي للصلاة في مسجد القرية لكنه لم يأتِ وحقيقةً لم أكترث حينها إلا لصحن العشاء وسؤال أمي عنه. هنا تكمن المسألة، أغلى ما تملكه المرأة هي أواني المطبخ. أصرت أمي أن أعود إلى الراعي وآتي إليها بالصحن قبل أن يعيث فيها فسادًا. الداعي للسخرية أن العمالة الآسيوية في نظر أمي بعيدة كل البعد عن النظافة. ورغم هذا فهي ترضى أن يأكلوا في أوانيها!

الراعي كان يقيم في “عِشة” بناها بيديه العاريتين من بقايا الألواح والأخشاب المبعثرة في القرية. بناها في الجهة المقابلة لبيت أمي والمسجد. على بعد نصف ميل في العراء. لا أدري لماذا اختار هذا المكان بالتحديد. في الحقيقة إن “عشته” ليست مكاناً لائقاً ليعيش فيه رجلٌ أعزب شارف على بلوغ العقد الثالث من عُمره. لكن من يهتم كيف يعيش الراعي أو تحت أي مصيبة ينام طالما أن الأغنام ترعى جيدًا والحليب لاينقطع عن البيوت، ويعود الصحن اللعين إلى أمي.

في النهار كنتُ أعبر الشارع لأدخن وفي الليل لأسترجع الآواني التي ولغ فيها الراعي. تلك الليلة، تَبعتُ ضوء مصباح الجيب في العتمة وأنا أٌصفّر. المشكلة أنك حين تستخدم المصباح وضوءه الضعيف لا تنظر نحو الأعلى. عيناك لا تفارقان ضوء المصباح. في داخل العِشة، قدماه متدليتان في الهواء. هذا كان بمثابة الصدمة، أعني أن عينيّ اصطدمتا بظل رجليه بدون مقدمات. أعني هذا حرفيًا. ظلهما كان ممتداً حتى الباب في مشهدٍ مُرعب. أعني أنه لم يكن لدي متسع من الوقت لأتنبأ بهذه المصيبة وأستعد نفسيًّا لها. رفعتُ كشاف الضوء. في البداية تملكني الفضول لأرفع المصباح لكن الخوف استوقفني وعطل خلايا التفكير في رأسي. أعتقد أن التصفّير كان السبب الرئيسي في كل هذا، أمي كانت تحذرني من مغبة التصفير في العتمة. رفعت المصباح إلى الأعلى لأجد الراعي مشنوقًا مثل ما يفعله رعاة البقر بالخارجين على القانون، إنهم يشنقونهم من على أغصان الأشجار أو هكذا نشاهدهم عبر شاشة التلفاز. هذا أول ماخطر بذهني؛ أعني رعاة البقر.

الراعي استخدم أحد الحبال التي يربط بها الأغنام. حبلٌ من البلاستيك لونه أزرق. أعرفهُ جيداً، كنتُ ألفه حول رقاب نعاج جارنا “أبو عبدالله” في فجر كل خميس عندما نذهب لبيع الأغنام في السوق. ربط الحبل في سارية الِعشة ولفه حول رقبته. ربما لم تكن المرة الأولى التي جرب فيها أن يشنق نفسه لكنه كان ميتًا جدًا عندما رأيته. لسانه كان مُتدليّا من فمه. وعيناه شاخصتين نحو السقف. أعني أنني ذُهلت أول الأمر، ولم أعرف ماذا أفعل. عندما تشاهد رجلاً مشنوقاً لأول مرة لا تعرف ما الذي يمكن أن تفكر فيه. لم أفكر إلا بمغبة التصفّير في العتمة. لكن بعد ذلك عادت إلي الذاكرة. تذكرته قبل أربعة أشهر. كنتُ أحياناً أجلس إليه في ساعات الظهيرة بعد وجبة الغداء ونصفّر ألحان الأغاني الهندية سيجارة بعد سيجارة. هذه لغة التواصل بيننا في البدء. ثم أصبح بيننا إتفاق ضمني أن أعلمه اللغة العربية مقابل أن يعلمني فن التصفير.
ركضت نحو القرية وجمعت أكبر كمية من أهالي القرية ليشاهدوا بأعينهم الراعي معلقاً في سقف عِشته التي بناها بيديه النحيفتين. إن أردتم معرفة الحقيقة، كان ركضاً من أجل تبرئة نفسي. وعندما أتت الشرطة والإسعاف، كان لا شيء يمكن فعله. انتحر الرجل وأنهى كل مايمكن أن يحدث بحياته. لم يدخن لفافة التبغ بأكملها، لم يأكل وجبة العشاء ورماها للقطة أمام بوابة وكره الخشبي. لا أظنه كان يجد اللياقة الكافية والشهية المفتوحة للتدخين. وضع حاجياته في شنطته السوداء وفوقها وضع آنية أمي نظيفة

.

نشر في جريدة الحياة يوم الخميس 13 اكتوبر

1 Response to “آنية أمي”


  1. 1 ward 21 أكتوبر 2011 عند 13:15

    مقال جميل ،واقعيه جداًتفاصيل حياة القرى في القصه ، أصغر حدث تصاحبه ضجة الألسن المحلية حتى يطويه حدث آخر ..
    تزوج الستيني (وصار مخفه لزوجته الشابه وأهلها) ،،هذاك الولد ماله خير في أهله (ممكن خيره أكثر ممن يتكلم عنه)،،هنديهم إنتحر بمسدس وشنق نفسه 😛
    شكراًللمتابعه فضفضتي أقل أهمية من أن تتابعها ^_^


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 49,413 hits

%d مدونون معجبون بهذه: