الكتابة كما يشتهيها جوزيف كونراد

نوم بعد مشقة ، ومرفئ بعد عاصفة ، ويسر بعد حرب ، وموت بعد حياة . تجلب أعظم السرور “.

هذه الكلمات تعتلي قبر الكاتب الأنجليزي جوزيف كونراد المتوفي في عام 1924 م. الكلمات التي ختم بها إحدى أواخر أعماله وطلب أن تكون على ناصية قبره.
جوزيف كونراد، من أعظم كتاب القرن العشرين والكاتب الوحيد الذي له 3 روايات في قائمة أعظم 100 رواية في القرن العشرين، شخصية فذة ومكافحة؛ إختار البحر وسرقته منها الكتابة. هذا ليس كل شيء. جوزيف كونراد الكاتب البريطاني ذو الأصول البولندية لم تكن اللغة الأنجليزية لغته الأم ولا لغته الثانية، لكنها اللغة الثالثة التي تعلمها في منتصف العشرينات من عمره ولم يمارس الكتابة إلا عندما أتم الثلاثين عاماً بقليل. إختار الكتابة بهذه اللغة الغريبة عنه ليصبح أكثر الكتاب تأثيراً في الحركة الحداثية في الأدب الأنجليزي قُبيل الحرب العالمية الأولى وليكون كاتباً تفوق على جميع كتاب جيله بخمس روايات تعتبر من الأعمال الخالدة في اللغة الأنجليزية التي تُدرس لطلاب الأدب الأنجليزي في أمريكا وبريطانيا، ثلاث منها من أعظم 100 رواية. هذا شيء يدفعك للتأمل حقاً. إنها معجزة بحق.

بدأ حياته بحاراً في الأسطول التجاري الفرنسي وهو ابن السادسة عشر ربيعاً في مدينة مارسيليا، بعد أن هُجر والديه من بولندا المستعمرة من قبل روسيا القيصرية إلى أوكرانيا وهو في الثالثة من عمره، تعلم الفرنسية في البحر، ثم إنتقل إلى الأسطول التجاري البريطاني بعد إصابته بطلق ناري كاد أن يودي بحياته. أمضى وقته في القراءة وسبر أغوار اللغة الأنجليزية على متن السُفن.

إنه الكاتب الذي يكتب “لمن لا صوت لهم”، تميزت كتاباتها بتعرية المستعمر الأوروبي وجشعه من أجل المال والسلطة والعراقيل التي تكون أمامه. بشخصيات تضحي بكل شيء من أجل المُثل العليا والمباديء. كتب عن البحر كما لم يكتب أحد آخر عنه. كتب عن الانسان وطموحاته وخيباته وكفاحه من أجل المباديء والبحث عن الإستقلالية والعيش بكرامة.

طريقته في الكتابة تميزت بحرصه على إختار الألفاظ الدقيقة في وصف الحدث، الحركة والإنفعال. ربما أنه يعود إلى أنه يتحدث أكثر من لغة فإختياره للفظ يكون بهذه الدقة المنتاهية. فمثلا بدلاً من أن يكتب: أحمد ذهب إلى السوق، يجعل الجملة أكثر دقة في وصف هذا الحدث البسيط إلى أحمد ذهب إلى السوق ماشياً أو مشى إلى السوق. وربما يكون أكثر دقة في وصفه إلى درجة أن يصف كيف كان أحمد يمشي، متخبطاً سريعاً ببطأ وهلمجرا.

الخاصية الثانية كثرة إستخدامة للنعوت حين يتطرق إلى تحليل الحدث بكل تفاصيله مما لا يدع مجالاً للقاريء بأن يخمن المجهول. قال عنه الكاتب البريطاني العظيم فورد مادوكس فورد أن كونراد حين يقوم بوصف حادثة قتل فإنه سيأخذك إلى أسبابها وعلاقة القاتل بالمقتول. سينتقل بك معه إلى الطريقة التي حصلت بها الجريمة وكيف طعن القاتل القتيل، وبأي يد كان يمسكها، وحدت السكين وشكلها وصانعها. وربما أنه يعود بك للوراء إلى الوقت الذي إشترى فيه القاتل السكين وشخصيته المضطربة والتي أثارت الشك في البائع. وما الذي دفع البائع إلى تجاوز شكوكه ليبيع هذه السكين له. وربما أنه يعود بنا إلى البائع وحالته المادية ومشاوراته مع العاملين معه حول بيع هذه السكين. إنتهى كلامه بتصرف كبير. جوزيف كونراد يحلل ويتعمق في الحدث بكل تفاصيله وحذافيره من أجل أن يقنع القاريء بما يكتبه. إنه من النوع من الكتاب الذين يحترمون القراء بشكل كبير ولا يدعون ثغرة واحدة في نصوصه تقع في دائرة الشك.

جوزيف كونراد لم يتخذ الكتابة عملاً أو هواية، لكنها كانت حياته التي أختارها. إنه شخص متفاني جداً في حبه للكتابة إلى الدرجة التي كان يجعل زوجته تغلق عليه باب مكتبه في الصباح والمساء ولا تفتح الباب إلا من أجل تناول وجبتي الغداء والعشاء ثم الذهاب إلى النوم. هذه الشخصية العظيم لا يمكن تجاهل مدى تفانيها وإخلاصها من أجل الكتابة الأدبية الإبداعية برغم أنه عاش فقيراً ولم يحضى بنصيب من الشهرة إلى في أواخر عمره. حيث كانت رواياته تناقش قضايا انسانية عميقة وتهاجم الإمبريالية الأوروبية وحب المال والتسلط وإستغلالها للشعوب الأخرى ونهب أموالها وممتلكاتها.

إنه يكتب كما لو أنه ينحت على الصخر، تقول أحدى الروايات التي ذكرتها زوجته أنه أمضى يوم كامل يراجع جملة واحد في رواية نوسترومو، لم يكن يراجعها من أجل تركيب الجملة أو كلماتها لكن من أجل الفاصلة. تقول زوجته أنه حذف الفاصلة في الصباح وأعادها في المساء. أو كما تقول الحكاية أنه في أحد الأيام سألته على وجبة الغداء ماذا فعلت اليوم فقال “حذفت فاصلة” بعد ذلك سألته على طعام العشاء ماذا فعلت فقال “أعدت الفاصلة”.

أهم رواياته :
ـ قلب الظلام

زنجي السفينة نرجس ـ 1897م.
ـ لورد جيم ـ 1900 م .
ـ نوسترومو ـ 1904 م.
ـ العميل السري ـ 1907 م .
ـ تحت عيون الغرب ـ 1911 م .
ـ الصدفة ـ 1913 م .
ـ النصر ـ 1915 م .
ومن مجموعاته القصصية :
ـ الشباب وقصتان أخريان 1902 م.
ـ العاصفة وقصص أخري 1903م .
ومن أعماله النثرية :
ـ سجل شخصي 1912 م.
ـ مذكرات عن الحياة والأدب 1921م .

6 Responses to “الكتابة كما يشتهيها جوزيف كونراد”


  1. 1 ضوء 2 5 يناير 2012 عند 11:20

    فكرة تنقر بأصابعها مخي بألحاح كي توقظني …كلما قرأت عن كونراد …
    دور المعاناة في صنع الانسان ….!
    أب ثائر يُزج به في السجن ..عائلة في حضن منفى …
    نداء السماء للأم اولا …مطردا بنداءاً للأب بعدها ..
    يتم في بيت عـــم ….عشق للبحر …وارث ضخم وقلم حبرهــ الدم ..!

    حظيت بشرف التعطر بهذا الدم في “قلب الظلام ” واعتقد انها من افضل ماقرأت
    على الاطلاق ..
    ولا انسى مارلوا ….وكورتز …والكونغو ..وشعب الكونغو الذي يبجل حضارة المستعمر
    التي تنهش قلبه …
    ولازلت اؤمن فعلا انها كانت النبؤة الولى لبوادر هيمنة امريكا على العالم ..

    واعتقد ان سر نجاح الكاتب ….ليس فيما سردته انت اعلاه..

    وانما في ان كونراد كان يكتب كي يرضي نفسه ,,,

    • 2 ياسر 11 يناير 2012 عند 00:45

      قلب الظلام لم أطلع عليها لكنها في مقدمة كتب هذه السنة، تابعت الفلم المقتبس من الفلم من بطولة مارلنو براندو ” القيامة الآن”

      شكراً لهذا الإثراء الجميل وضوئك

  2. 3 ضوء 4 11 يناير 2012 عند 09:45

    بحثت عن الفيلم قبل عدة سنوات ولم اجده …وها قد وجدته الآن …بعد ان ايقظت كتابتك ذاكرتي عنه ..

    و سأشاهده …غير اني اعتقد دائما ..ان الأحرف …(الرواية ) هي احساس الكاتب البـــكر

    كا اراد ان تكون بالضبط بين ايدي قرائه …فـــ هي لوحته الحقيقية ..وهي اجمل ..

    واقرب التحاما بالطبيعه …..اما افلام الروايات …او حتى القصائد المغناة احيانا
    ه
    ي احاسيس الكاتب بعد اعادة التدوووووير …

    اتمنى ان يثبت لي الفيلم العكس ..

  3. 4 ضوء 5 11 يناير 2012 عند 09:47

    بحثت عن الفيلم قبل عدة سنوات ولم اجده …وها قد وجدته الآن …بعد ان ايقظت كتابتك ذاكرتي عنه ..

    و سأشاهده …غير اني اعتقد دائما ..ان الأحرف …(الرواية ) هي احساس الكاتب البـــكر

    كا اراد ان تكون بالضبط بين ايدي قرائه …فـــ هي لوحته الحقيقية ..وهي اجمل ..

    واقرب التحاما بالطبيعه …..اما افلام الروايات …او حتى القصائد المغناة احيانا
    ه
    ي احاسيس الكاتب بعد اعادة التدوووووير …

    اتمنى ان يثبت لي الفيلم العكس ..

    • 5 ياسر 12 يناير 2012 عند 03:55

      الفلم ليس كما تتوقع، فلسفي جداً ويعتمد على المؤثرات الصوتية والمشاهد التصويرة… لكنه يحكي فلسفة الرواية بحذافيرها وليس الرواية كما هي.

      هناك مسلسل قصير أنتجته بي بي سي عن رواية نوسترومو بحثت عنه ولم أجده
      أتمنى رؤيته حقاً

  4. 6 ضوء 5 12 يناير 2012 عند 06:06

    اها …يعني ليس بمستوى الرواية ..والسبناريو يختلف ..

    حسنا سأشاهده واعود بالتعليق ..ان شاء الله ..

    لا اعرف المسلسل ..ولكن سأحاول البحث عنه ان شاء الله ..


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 49,413 hits

%d مدونون معجبون بهذه: