الحارس في حقل الشوفان

هناك رواية تخاطبك. رواية تقرأها وترافقك. تصاحبك فعلياً. تصاحب مخيلتك وتفكيرك. هناك رواية تقول عنها “يالله”. أقصد رواية تعيد قرائتها لأكثر من مرة وتحتفظ بها. ليس في مكتبتك لكن تضعها ضمن أُمهات الكتب التي تعيد قرائتها دائماً. تعود إليها وتحملها بين يديك مثل طفل رضيع. أعني أن تنظر إلى الرواية وتقول بينك وبين نفسك هذه روايتي بصوت خافت. هذه كُتبت لي. هذه ملك خاص بي. هذه الراوية تمثلني. تتصفحها مرة أخرى وتقرأ فيها لتجد مخرجاً من صخب الحياة ثم تضعها بجانب سريرك. ربما أنك تقول في قرارة نفسك أنني أهذي وأتكلم عن كتاب لا وجود له. لكنني أخبرك الحقيقة الآن! منذ المرة الأولى التي قرأت فيها هذه الرواية وأنا متيقن تماماً أنني وجدت الكتاب الذي أبحث عنه- هذا الشعور لا يعرفه إلا قاريء نهم. وأصبحت مهووساً بكاتبها جي دي سالينجر – J D Salinger- كان هذا في شتاء 2009 عندما تعرفت على هذه الرواية لأول مرة.رواية “الحارس في حقل الشوفان”. الرواية التي صُنفت ضمن قائمة أفضل 100 رواية في الأدب الأنجليزي الحديث وأهم الأعمال في القرن العشرين ومن أكثر الروايات تأثيراً في المجتمع الأمريكي. أعني أن الشباب الأمريكان المعارضين للحرب على فيتنام في الستينات كانو يرفعون لافتات تقول” أنا هولدن كولفيلد” هولدن الشخصية الرئيسية في الرواية.
نصحني بها أحد الأصدقاء. قرأتها في ليلة واحدة، إلتهمتها مثل وجبة شهية من مطبخ أمي العزيزة. قرأتها مرة ثانية بعد شهر من هذا وأنا في فرح وشوق لصفحاتها الساخرة وإسلوبها التهكمي. وضعتها جانباً مدة عام. كان يباغتني شوق لها كبير عالجته بقرائتي للعظيم “هيرمان هسه” وعدت إليها راكضاً من فلسفته وكلامه العميق إلى مغامرات “هولدن” الجريئة في نيويورك. وأخيراً رجعت إلى صفحات الحارس هرباَ من الواقع المر والزيف المستشري في المجتمع. سالينجر يعتبر أهم الكتاب الأمريكيين بعد إرنست همنغواي وأكثرهم تأثيراً في النثر والكتابة الإبداعية رغم أنه لا يوجد لديه إلا ثلاثة مجموعات قصصية صغيرة ورواية واحدة. وهذا يدل على قدرته الكتابية وشهرته الواسعة.
“الحارس في حقل الشوفان” رواية قصيرة جداً، في الأدب الغربي يسمونها ” Novella“ وتعني تصغير لكملة رواية- حقيقة لا أعرف كيف يمكن أن تصغيرها في اللغة العربية، لستُ ضليعاً في هذا. الرواية كتبها الروائي الأكثر عزلة في العالم جي دي سالينجر الذي توفي في العام المنصرم عن عمر يناهز 91 سنة قضى أغلبه في مزرعته معتزلاً الحياة الأجتماعية والأعلام والمعجبين. هذا الكاتب البديع والذي أسس نهجاً في الكتابة بعده أطلق عليه الكتابة الغاضبة. لم يترك وراءه إلا رواية واحدة وثلاث مجموعات قصصية. هذا يبدو قليلاً لكن ما لا يمكن أن تتخيله أن روايته الوحيدة “الحارس في حقل الشوفان” هي مقرر دراسي في أغلب الجامعات والمدارس الثانوية الأمريكية بالرغم من كونها ضمن قائمة عشرة كتب خاضعة للمراقبة في المكتبات والتعليم في العقدين المنصرمين. كتب عنها الكثير من الأغاني وحاول الكثير محاكاتها في طريقتها الساخرة. هذا أمر يدعو إلى التأمل.
أمر آخر عن هذه الرواية.الرجل الذي إغتال الرئيسي الأمريكي جون كينيدي، لي أوزولد كان يحمل الوراية معه. كذلك الذي إغتال مغني فرقة البيتلز جون لينون والرجل الذي أطلق النار على الرئيس الأمريكي رونالد ريغين كانا يحملا الرواية! وهو أمر يردده مناصري نظريات المؤامرة!
بالأمس إطلعت على الرواية بترجمتها العربية. قراءاتي الأربع السابقة كانت بالأنجليزية لكن هذه المرة وجدتها بالعربية. وأصدقكم القول بأنني إمتعضت من طريقة الترجمة، إنها جريمة حقيقية بحق هذا الكتاب العزيز على قلبي. ولا ألوم المترجم على هذا. الاستاذ “غالب هلسا” حاول جاهداً أن ينقل لنا رواية عظيمة لكنه فشل، حيث الرواية كُتبت باللهجة العامية الأنجليزية وهو أهم مايميزها مما يجعله أمراً صعبا ومعضلة أمام المترجم وهو الشيء الذي أوضحه الاستاذ غالب في مقدمته. وأستغرب أنه لا توجد أية ترجمات أخرى للعمل.
الرواية صدرت في عام 1951 ورافقها الكثير من اللغظ. قسمت المجتمع الأدبي إلى معسكرين بين رافض لها تماماً ومؤيد بعنف. الفكرة الخالصة بأنها تحمل الكثير من الألفاظ السوقية كان السبب الرئيسي لكل هذا. ففي طيات الرواية تجد كلمات مثل عاهرة وكلب ولغة عامية لم يعهدها المجتمع الأدبي الذي يُبجل اللغة الفصحى الانجليزية في تلك الأيام ويتعهد لها بالكثير. كانت بمثابة الصفعة القوية الموجهة له شخصياً. والأمر الثاني الذي وضعها على طاولة النقاش تركيزها على الشخصية الرئيسية وتفاعلاتها دون الإتكاء على الحدث الرئيسي في الرواية وأداوتها التقليدية. في حين أن الجميع يتفق على أن الرواية هي مثال يحتذى به في خلق شخصية مضطربة وقدرة سالينجر على رسمها بكل انفعالاتها وتطوراتها. إنها الرواية الأقدر في الحوار والسرد الذي يبهر القاريء ويجلعها من أكثر الكتب مبيعاً في التاريخ.
العنوان ” الحارس في حقل الشوفان” يعتبر من أجمل وأكثر العناوين التي تمثل النصوص الأدبية. إنه يختزل قصة الرواية ومشاعر بطلها في جملة واحدة. عنوان يحمل من البلاغة والإختصار الكثير لصفحات الرواية وأحداثها وشخصياتها. بطل الرواية “هولدن كولفيلد” وهمه الوحيد بأن يكون الحائط الصامد بين براءة الأطفال وزيف البالغين ونفاقهم. الحاجب الذي يعزلهم ببرائتهم وجمالهم عن قبح الحياة والتعامل مع الكبار المخدوعين بالمظاهر والمال والمغررين بخداع هوليوود وأفلامها البعيدة عن الواقع.
هي حكاية الأيام الثلاثة التي قضاها “هولدن” في هربه من مدرسته و سفره إلى مدينة نيويوك وهو في سن السابعة عشر قبيل عيد الميلاد. الأحداث التي دفعته إلى الأنهيار النفسي والعيش في مصحة نفسية. المصحة النفسية التي يخبرنا منها الأحداث الجنونية كما يصفها. هولدن مثل أي مراهق تعرفه، متمرد، مشاكس، ينظر للعالم بمثالية كبيرة، ويتطلع إلى صحبة الجنس الآخر. هولدن يتكلم بلغة المراهقين الخاصة، قاموس صغير من الكلمات التي تتكرر طوال الرواية ولا يعرف غيرها للتعبير عن أرائها. وهو يعترف لك في مقدمة الرواية أنه لا يملك الكثير من المصطلحات. مثل تكراره في كل صفحة من الرواية لـ ” and all“ والتي تعني وهالشغلات أو هالأشياء أو كذا حسب موقعها. إنه المراهق الذي يريد أن يخرج أمامناً بأراءه ونظرته الخاصة للعالم لكن لا تخدمه محصلته اللغوية. لكنه يصرخ و يخبرنا بما يريد قوله بما يعرف من اللغة ويجرد المجتمع المزيف أمامنا ويحلم أن يكون حارساً في حقل كبير من الشوفان في آخره منحدر حاد .حقل من الشوفان يلعب فيها الأطفال وهو يقف بينهم وبين المنحدر. هذا الذي يحلم به أن يحمي براءة الأطفال من عالم الكبار والمجتمع المنافق الذي سيدنس برائتهم. المجتمع الذي يجده مخدوع بالأفلام والمظاهر والنفاق والزيف والمبتعد كل البعد عن المثالية والحقيقة. إنه يخبرك أن كل مايريده هو الهرب من هذا الحياة والعيش في الريف. في كوخه الخاص. وهذا مافعله فعلاً كاتبناً حيث أمضى الأربعين سنة الأخيرة من عمره في مزرعته معتزلاً العالم المنافق والمزيف.
الرواية بالنسخة الأنجليزية
إتبع الرابط
الرواية بالنسخة العربية
اتبع الرابط

2 Responses to “الحارس في حقل الشوفان”


  1. 1 Sara Holden 31 أكتوبر 2012 عند 10:57

    إنها فعلاً من افضل الرويات التي قرأتها.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 48,907 hits

%d مدونون معجبون بهذه: