سفر الخروج

أعيشُ الصباح قَلقاً في هذا البعد منكِ، الأرض التي رَميتُ جسدي فيها و إخترتُ الرحيل عن عينيكِ. البُعد الذي جعلته المنفى عنكِ أنتِ يا وطن. لهذا أبرمت عقداً مع العتمة، ألا أغمض جفنيّ فيها و في المقابل ألا تأتي بعينيك قريباً مني. قريباً إلى درجة الإختناق بكِ. أصبحتُ في بُعدكِ كائناً ليليًٌ أهرب من الصباحات التي تحمل تفاصيلك معها. تلك الصباحات التي كانت تغمرني فيها قبلاتكِ و القهوة التي تمديها و أنتِ تغنين لـ فيروز. “أد البحر بحبك”. فيروز العجوز التي أكره الآن.

أصبحتُ أُجيدُ الفرار من ضحكتكِ الخجولة و خوفكِ على صحتي و عتابكِ المؤلم كلما أشعلت سيجارة. إنني هاربُ من الصباحات التي كنتُ أشد الرحال فيها إلى عينيك الأرض الموعودة و أنا أؤمن بك ربةً متوجةً على قلبي. آه، هذا مالا أحتمله أبداً. عيناك: نصف الحياة!

الليل ليس سيئاً بدونكِ. الليل السكينة التي أبحث بعيداً عن العالم. إنه قِبلة فرعون التي إختارها غرقاً عن صحف موسى عليه السلام. الليل يا مريم أجد فيه وقتاً كافياً لأقرأ و أكتب و أبعثر ذكرياتي معكِ في أرجاء الغرفة ثم أعيد ترتيبها كما يجب أن تكون. الزمان و المكان يختلفان حينها. يكون الزمن ممتداً من النبضات الأولى لحبكِ في صدري إلى صوت كعبك العالي وأنتِ تغادريني بلا رجعة، و يصير المكان إمتداداً لكل أرض قَبلتْ أسفل قدميكِ.

– سترقصين معي الليلة، مثل أول مرة ؟!

الليل يتشكل فوضى عذبة تدور حول أطيافك المعتدة بنفسها. أطيافك التي لا أصل إليها. هنا و أنتِ تصرخين في وجهي حين أعود فارغاً من القائمة الطويلة التي وضعتها في جيبي صباحاً، آه من الصباحات، كما دائماً. و هنا و أنتِ تطوقينني بذراعيكِ في لهفة اللقاء الأول. هنا و هناك و هنالك و أمامي و خلفي و بجانبي و في كل زاوية أجد طيفاً لكِ مختلف أحكي معه و ألعب مثل طفل وأطبع قبلة في الهواء أرسلها له. أحتاج الفوضى حتى تُضحي نجمةً في سمائي. أو كما قال نيتشة الذي تكرهين و ألقيتي كُتبه من النافذة. بقدر غضبي ذلك اليوم إلا أنني إزددتُ حباً بكِ. جُننتي لما قرأتي قوله “أن الله مات و نحن قتلناه”، يالسخافتك! و حلفتي يميناً ألا يكون في البيت شيء مثل هذا المجنون النازي!. لم يكن نازياً يا مريم ورب الأشياء الجميلة التي تحبينها. لكن كل ما أفعله لن يثنيك عن رأيك أيتها اللبوة الجسورة.

أجلس الليل في عزلة عن العالمين لكِ. أنا و الليل و نزيفٌ ذاكرتي إجتمعنا من أجلك. لم يتبقَ لي سوى الذاكرة. إنها تخونني أحياناً و أغلط في لون شعركِ وضوء عينيكِ. الأسبوع الماضي حملتُ باقةً من الياسمين لكِ، طيفك لم يقبلها مني، لا أفهم كنتُ دائما آتي بالياسمين لك وتضعيها في المطبخ كما تفعلين دائماً بعيداً عن أنفك!

الذكريات أيضاً لها تاريخ صلاحية و تنتهي بعد أن تغتال كل خلية في عقل الانسان. الذكريات تنتهي حين ينتهي العقل عن التفكير. لا أريد عقلاً أفكر فيه، لا أريد سوى الجنون مع طيفكِ. ماذا بعد هذا. هل لطيفك تاريخ ينتهي به؟ هل أحتاج إلى قلق آخر غير قلق الصباحات بعيداً عنك؟

مريم، إنني أجلس الليل مع ذكرياتك و القدر و شيخ القبيلة. ألعن هذا البَيْن الذي أحرق روحينا ثم نثرنا رماداً في مطلع الشمس، في البعد الأزلي بيني وبينكِ، و رمى عليها سبع حصوات و كَبّر بإسم الفراق على أجسادنا أربعاً إلى الأبد. آه يا مريم كم ألعن شمساً لا تشرق من عينيك و قمراً لا يشبه صُبوحة وجهك!

أترين الليل كيف يجعلني أكثر قُرباً منكِ. أراكِ في كل شيء ولا أقنع بغيركِ، في ظلمته أجد نوراً يأتي باهراً مُشعاً منكِ. أشاهد حياتنا كما تَمنيّتها أنتِ أن تكون، حقل فسيح من سعادة و غناء و شلال عالي، بحيرة في منتهاها نسبح فيها أوقات الظهيرة و طيلة الصيف. لكن عندما يأتي الصباح و أضع القلم جانباً لا يبقى لي إلا النواح و شلال عالي تقفزين منه عارية و لا ألحق بك.

5 Responses to “سفر الخروج”


  1. 1 هَديلي , 14 مايو 2011 عند 09:32

    أنهيتُها يا ياسر ,
    و قفزت آهٌ عاريةٌ من فمي لم ألحقْ بها !
    ليسَت آه توجّع …
    هي استفتاحٌ ل : يخرررب بيتك يا ملعـ … !
    آآآ …

    ربّما كانتْ توجّع … لم انتبه .

  2. 3 عبير 24 مايو 2011 عند 14:26

    هئة ……..

  3. 5 Bskat 19 يوليو 2011 عند 15:33

    مبدع . رآئع . آبهرتني ..
    مجنون بقلمك ..


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 49,413 hits

%d مدونون معجبون بهذه: