بحيرة الوحدة

بعدسة المصور : سعيد الطوقي

كنتُ أعبر بحيرة الوحدة على انعكاس قمة جبل ”مونت رينيير” الجليدية قبل أن يبعثر إنعكاسه المطر الذي لا ينقطع في مدينة سياتل. المطر الذي يسكب فرحه في الطرقات المؤدية نحو البحيرة. كنتُ أحاول إستباق هطول المطر. كانت رسالة في هاتفي المحمول هي ما دفعني للإستيقاظ قبل وقتي المعتاد. إرتديت ملابسي في سباق مع رطوبة المطر الثقيلة التي تستحثني على الخروج من غرفتي و تدفعني إلى التصرف بجنون. الجنون الذي يدفعني إلى أن أركض وأعبث في البحيرة مع البط والبجع.
الطيور تفرح بالمطر بشكل غريب. هذا ملا أفهمه أبداً. الطيور تنتابها حالة غريبة من السكون عندما ترتطم السحب ببعضها البعض في سقف السماء قبل أن تنفض أجسادها وترتب ريشها للمطر. كنت أنتفض في سريري صباح الأحد ثم أرتب أفكاري بين أشجار البلوط متسكعاً في الممر الطيني الضيق في هبوط نحو ضفة البحيرة الغربية. كان هذا يوم الأحد ولم أحضر القداس. لم تكن عظات القديسيين تعنيني بأي شكل من الأشكال. هذا أضبح مؤخراً حيث إتخذت علاقتي مع الرب مجرى آخر. الرب يعرفني وأنا أعرفه وهذا الذي أؤمن به فعلاً وحتما لستُ بحاجة إلى قديس عجوز أو رسائل مفاجأة لتخبرني ماذا أفعل كي يكون الرب معي. إنني أجده في كل شيء وأراه.

كنت أخبركم عن البحيرة بإقتضاب. قبل أن يهطل المطر ويقفز قلبي مع هذه الرسالة التي قرأتها أكثر من مرة. البحيرة التي أعبر بحثاً عن الفرح تستلقي في شمال مدينة سياتل. المدينة التجارية والصناعية بشكل مزعج، تقع على الحدود الشمالية من الولايات المتحدة الأمريكية. تحيطها الكثير من البحيرات. لكن هذه البحيرةليست بحيرة خلابة كما يتوقع البعض لكنها أقرب ما تكون إلى فسحة من الهدوء والطبيعة الفاتنة في قلب مدينةٍ صاخبة. مياهها الراكدة تملؤها أسماك السلمون والضفادع والباعوض و شياء مقرفة أيضاً ولولا كثرة الأمطار في هذه المدينة لعجّت برائحةٍ منتنة وعفن الجثث النائمة في قعرها كما يخبرني أهالي المنطقة. وهذا لم يمنعني أن أقضي معظم النهار في أيام الآحاد على ضفافها. أعتقد أنني في علاقة غرامية مع هذه البحيرة منذ أول يوم رأيتها. كنت وقتها وحيداً أبحث عن أصدقاء جدد في هذه المدينة. كنت أتجول وبصحبتي كتاب. لكن الحقيقة أن البحيرات ليست مثل النساء، إنها لا تسبب لك وجعاً في الأذنين وألماً في الرأس.

قبل أن أستيقظ من النوم كنت أنتظر أخباراً سارة من أحد الأصدقاء في الجنوب وبالتحديد من مدينة دالاس. ولا أخفيكم القول أن حياتي أصبحت متوقفة على هذه الأخبار. الأخبار مهما تكون هي إنعاش كهربائي في غرفة الأسعاف لهذه الحياة التي نعبرها مثلما جسر “فريمونت”. عبرته حينها هذا الجسر الرابط بين حيي “كوين آن” و”فريمونت”. إنني أكره هذا الجسر كثيراً لأني أكره الأشياء المقطوعة من المنتصف. هذا الجسر الكرية والذي أعبر كل يوم مبني من الحديد الصلب. بُني من الجهتين المتقابلتين بنفس الشكل الهندسي ليكمل نصف دائرة من الأسفل تحمل فوقها خطاً مستقيماً أعبره في قلق. هذه الدائرة المقتصة من النص تكون بعرض ثلاثين متراً تكفي لعبور السيارات من الإتجاهين المقابلين. وكذلك تحمل مسار محدوداً من أجل المشاه وراكبي الدرجات. أكره مساره الضيق وزحام العابرين فيه. يرغمني على المشي السريع والخوف من الاصطدام بسائقي الدراجات الذي يصرخون فيك “أحذر عن يمينك” و ” نتبه عن يسارك”. المفترض أن تتحاشى الإتجاه إلى اليمين أو اليسار عندما ينادون عليك بشكل يدفعك إلى الارتباك والخشية من الأنصطام. لكن دعوني أفصح لكم بسر خطير ” أنا لا أعرف اليمين من اليسار”. أعني لا أعرف المسميات وليس هذا لفقداني الإحساس بالإتجاهات نفسها. إنني معروف بين أصدقائي الفضلاء بذاكرتي القوية وعدم نسياني لطريقاً سلكته من قبل أبداً حتى وإن كنتُ راكباً. لكن هذا الإلتباس المعرفي في حفظ مسميات الإتجاهات والتفريق بينهم يصيبني بالرعب ويجعلي أبدو غبياً في أعين البعض. هذا ليس الشيء الوحيد الذي يصيبني بالرعب وأنا أعبر الجسر، لدي عادةٌ غريبة وأنا أمشي، أن أضع ناظري بين قدمي وأستمع إلى الموسيقى. هذا يجعلني أرتطم بالبشر والأعمدة والكراسي وكل شيء أمامي. هذا يسبب لي الكثير من الإحراج. الإحراج لا تحتاج إليه عندما تستمع إلى الموسيقى. الموسيقى رحلة للروح. فجر السكينة، وطريق العروج إلى السماء الثامنة والخيالات الخصبة.

إنتقلت إلى هذه المدينة من أجل وظيفة في شركة برمجيات قبل عيد ميلادي الخامس والعشرين في شهر مارس من السنة الماضية في أبعد المدن معرفة للكنيسة والرب. كان هذا هروباً من حرارة الجنوب إلى أمطار سياتل بعد وفاة والدي بسرطان الكبد وإنتقاله إلى سماء الرب وملائكته. لم أحتمل المكوث أكثر هناك، أصبحت الحياة صعبةً بشكل لا يطاق. لم أعد أعرف كيف أتعامل مع أمي المهووسة بالنظافة والصحة من قبل أن يمرض والدي، هذا قبل أن يزداد مرضا لكن بعد أن ألتهمتْ خلايا السرطان كبده صارت أمي كائناً لا يطاق. أما أخواتي الصغيرات، يالرب السماء،المراهقة أمرٌ يصعب التعايش معه أبدا. أنا لا أعرف التعامل مع هذه المتغيرات. قبلت العرض الوظيفي المغري وإستقليت أول طائرة متجهة إلى مدينة الزمرد. الأسبوع الأول كان ماطراً بحق، قضيته في فندق “ويستن” أعاني من أعراض الرشح والحمى. إن أردتم الحقيقة، لدي مناعة ضعيفة جعلت حياتي جحيماً من أمراض وأدوية وإبر ومستشفيات. إنني أعزوا هذا إلى كثرة المضادات الحيوية التي تربيت عليها بين يدي أمي المهووسة بصحتي أنا وشقيقاتي الثلاث.

إنتقلت إلى شقةٍ صغيرة مكونةٌ من غرفةٍ واحدة لها شرفة كبيرة تطل على جبل “مونت رينيير” وضفاف هذه البحيرة بإيجار شهري معقول. حقيقة لم أكن لأجد هذه الشقة لولا مساعدة إحدى العاملات في الفندق ولا أعتقد أنها قدمت هذه الخدمة من أجل الرب أو المحبة لكن من أجل العمولة التي قبضتها من مكتب العقار والمبلغ البسيط الذي وضعته في يدها تعبيراً عن إمتناني العميق بعد أن إنتقلت للشقة بإسبوع أو إثنين، لا أتذكر فعلاً.

في الضفة الأخرى من البحيرة مقهى قديم في نهاية الجسر يملكه زوجين مهاجرين من روسيا إعتادوا رؤية ابتسامتي المقتضبة كل يوم أحد. فتحت باب المقهى وإذا كارماكوف الطاعن في السن يصرخ في أقصى المكان.
– لم تذهب للقداس !!
– وأنت أيضا يا كرماكوف الطيب !
كان جاوبي بديهاً حينها وسريعاً.
– قهوتك المعتادة إذن ؟
– نعم من فضلك.
هكذا دائما تكون الحال عندما أفتح باب المقهى وأقف طويلاً من أجل طاولة فارغة في الجهة المقابلة لتمثال الرئيس السوفيتي الأول “فلادمير لينين” المنتصب بكل عنفوان وبجاحة في قلب حي “فريمونت” الرأسمالي. هذا شيء لم أستطع فهمه حتى الآن، بحق كل الأشياء الجميلة في الحياة ما الذي يفعله هذا الطاغية الملحد في الولايات المتحدة التي تعتبر الفكر الشيوعي فكراً فاسداً لا يصلح للحياة الكريمة ويحارب كل مبادئ الحرية والعدالة.
ههه، لا تعتبروا لكلامي لكن كل ما أعرفه عن الشيوعية مقولة ماركس” الدين أفيون الشعوب” أو شيء مثل هذا.

جلست مع فنجال القهوة و رواية جديدة من الأدب الروسي و”جهازي المحمول” كما أفعل كل إسبوع بعيداً عن الكنيسة ومولياً وجهي لعدو الكنيسة والأديان. لينين السفاح.

العجوز الروسية “تشيكماسوفا” اللطيفة إستقبلتني بـ ” آه” طويلة من الفرح وإتساع في عينيها لهذا الفرح. كانت تصرخ بالآه وتميل رأسها إلى اليسار أو اليمين – حقيقة لا أتذكر – في إصرار على مدى انفعالها العاطفي البهيج برؤية هذا الفتى الأسمر الذي يهرب من الكنيسة كل يوم أحد ليقرأ رواية في مقهاها الصغير.
يوم الأحد تجلس على طاولة المقهى. تجلس على طاولة المقهى الصغيرة توتنازل عن الصمت بتدرج، وإن لم تعتد هذا مع الغرباء. الغرباء الذي يستمتعون بطرح الأسئلة التي لا تعنيهم بشيء. هذا لا يمكن تجنبه في هذا المقهى الروسي على ضفاف البحيرة. هذه أصبحت عادة أنتظرها كل أسبوع، أن أرمي بعقلي ومشاعري أمام الأجانب ليختبروا مدى صبري ويقلبوا أحداث حياتي في عقولهم. دائماً أخبرهم معلومات مغلوطة عني أو أكتفي بجزء مما حدث معي مما لا أهتم به.

– يا غريب الأطوار ، مرحبا كبيرة
صرخ بها في أرجاء المقهى مثل إعلان حكومي. “تيم هيلي” أحد زملائي في العمل. يعيش في نفس الحي الذي أعيش فيه حي “كوين آن” على الضفة الغربية من البحيرة. وبرغم أنه حاول كثيراً أن يكون مقرباً مني حتى أنه دعاني إلى حضور أحد الحفلات التي يقيمها في حانات سياتل.

“تيم” يدير فرقة موسيقية تغني أغاني الروك ان رول من حقبة السبعينات والثمانينات. حضرت إحدى حفلاته في ليلة من ليالي سبتمبر بعد إلحالحه المخجل لي أمامي بقية الزملاء في العمل على أن أحضر وأشاهد مدى مهارته في الغناء. كانت تجربة مريرة إن أردتم الحقيقة.
– أهلا ياصديقي الفنان
– كيف حالك؟
الأسئلة المعتادة من الجميع تلك التي لا تحمل أي اهتمام محتمل. أجبته بالمعتاد، وصاح في أذني أن أحضر إلى عرضه المقبل في السوق الشعبية نهار السبت القادم. لم أرفض العرض كما لم أقبله، كان ردي عقيماً مثل وجود الحياة على ظهر كوكب المريخ
– إن وجدت الوقت الكافي سأكون هناك بالتأكيد

قطعت كل فرصة للحديث معه واضعاً يدي فوق الكتاب الذي خلفته فوق الطاولة، الرواية التي أريد أن أقضي نهار ألأحد بصحبتها. كانت إشارةً إلى أنه حان الوقت للقراءة الآن. ودعته بعدها بعناق حار وطويل ثم قضيت ثلاث ساعات طويلات وأنا أفكر بالرسالة القصيرة التي بعثها قبل ليلتين صديق الطفولة “فرانك بوما”. كان فيها شيئاً عن أنني لم أعد بحاجة إلى العيش في سياتل أكثر من هذا وأنه وجد لي فرصة عمل في دالاس وسيوافيني بتفاصيل أكثر ظهيرة يوم الأحد.

قاطعني كارماكوف ملوحاً بإصبعه في الهواء
– جون ياعزيزي تعال شاركني الغداء
– لا أشعر بالجوع
– لا حياء في الأكل يا جون تعال هنا قبل أن آتي إليك
كان غداءه عبارة عن ساندوتش مرتديلا مضاف إليها الخس والطماطم. شيء يكفي جسده النحيل حتى العشاء. مد لي نصفها بابتسامة قائلاً
– عندما تكون في عمري لايستهويك الأكل كثيراً
شكرته بحرارة وأجابني بابتسامة رقيقة، ثم لاذ بالصمت وعيناها تتطلعان في تمثال “لينين”.

تنفس بعمق ثم تمتم في الهواء
– وربما الحياة أيضاً
لم أفهم مقصده من هذا. وضعت يدي أمام فمي المملتئ وسألته “ماذا ؟” في الوقت الذي قاطع حديثنا رسالة قصيرة من فرانك.
“ وعدني رئيسي بالعمل باعطائك وظيفة، الآن تستطيع العيش بالقرب من عائلتك والاهتمام بهم. اعتذر انشغالي. سأحدثك لاحقاً بتفاصيل أكثر”
أعتلتني علامات التعجب والفضول. لا شيء يعكر مزاجك مثل الإنتظار في أمل معرفة المجهول الذي يضعك وقت الإكتشاف والمعرفة في حفرة إنتظار أخرى. هذه السنة الثالثة التي أقضيها بعيداً عن والدتي وشقيقاتي الثلاث. لاحظ كارماكوف العجوز هذا في تقاسيم وجهي النحيل وغادر فكره التمثال العملاق إلى الرسالة التي أخذت جل إنتباهي
– ماذا دهاك يا صديقي؟
أخبرته عن العرض الوظيفي في مسقط رأسي بين أهلي ورفاقي القدماء. أخبرته عن والدي وهروبي من ذكراه. أخبرته عن شقيقاتي الثلاث ووالدتي التي إعتراها الكبر. رجع برأسه إلى الوراء وأشار بإصبعه في وجهي
– العائلة أولاً!

3 Responses to “بحيرة الوحدة”


  1. 1 صلاح الحربي 26 فبراير 2011 عند 03:46

    إعتدت على إبداع الدائم ، وما شد تفكيري هو اشتياقي لقرائة كلماتك وأتخيلها من أن تنطق من شفاتك وتحرك يدك وأصابيعك في كل وصف وتعليق.

    وما شدني أكثر اشتياقكك (لديرتك ومن سكنها ) كما هي أيضا مشتاقة إليك..

    أمتعت صباحي ، وتلذذت برشفات القهوة مع عذب وسلاسة العبارات

    كل التوفيق ,, وبعبارة أخرى ( لا يوقف)

    ومثل ما قال عمرو ( فله .. شمعه .. منوره ) < على بالك يتابع Arab got talent ما طق له خبر

    تحياتي 🙂

  2. 2 Alaa 3 أبريل 2011 عند 09:49

    أول مره أزور هذه المدونة ، لن تكون الأخيرة ! 🙂


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

  • RT @dak: Honored to suit up on game day with 82, an inspiration to the city! https://t.co/hLnmNZtqE0 7 hours ago
  • RT @Omanbeah: شاهد .. الدكتور سعيد الطوقي @said_altouqi مدير إعادة تأهيل المرادم بشركة بيئة، يتحدث عن دور الشركة لإغلاق جميع مواقع الطمر ال… 1 day ago
  • RT @MadawiDr: يزيد صائغ السعوديون فشلوا في قراءة مواقف واشنطن في لبنان عندما وقفوا جانبه @CarnegieMEC 3 days ago
  • RT @MadawiDr: جوزيف باحوط السعودية لم تبتلع بعد فشلها الذريع في لبنان خلال الأسابيع الماضية @CarnegieMEC 3 days ago

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 49,515 hits

%d مدونون معجبون بهذه: