كلب صيد

1

حاولَ أن يتحررَ مِنْ توترهِ بِإشعالِ سيجارةٌ أخرى بِعَقب سابقتها، لكن ارتعاش يدهِ ورائحة الخوف الطاغية على دخان سجائره تخبرُ غير ذلك.كان يفضحهُ الدمُ المحتقن في وجهه، قطرات العرق المنسكبة من جبينه، فرقعة الاصابع، والزفرات الطويلة. كذلك الخطوات السريعة المضطربة ذهاباً وإياباً، والوقفات القصيرة والنظرات الزائغة، والتمتمة وإهتزاز رأسه يميناً وشمالاً لإزاحة خيوط الحيرة والاضطراب.

لكن أيٌ من مرتادي مقهى السعادة الذين يعرفون بعضهم جيداً وتربطهم صلات قرابة وصداقات قديمة لم يُعر انتباهاً لما يحدث حوله. كانوا متوزعين على الطاولات الستة بالمقهى. فوق ذات الكراسي التي تعرفها موخراتهم منذ أول يوم أُفتتح فيه المقهى قبل سبع سنوات وثلاثة أشهر. أهل الحي الشرقيين يجلسون على الطاولات المحاذية لجهة الشرق وكذلك يفعل الغربيون في الغرب.قطبان متنافران. إنهم مثل قطعان الشياه لا يخرجون عن إمرة الراعي ولا عن طريقة القطيع. كانت أعينهم شاخصة بإتجاه شاشة التلفاز وبالتحديد نحو القسم الأسفل منها رابضين مثل كلاب صيد تترصد أي حركة تغيير في سوق الأسهم. تمتلئ صدورهم بالأحلام والمخاوف ودخان الشيشة، مشاعرهم مختلطة، مضطربة، وأقرب الى التشويش. ورغم إختلاف أذواقهم في اختيار نوع القهوة أو العصير فإنهم عندما يفتحون حناجرهم تندلق منها كميات من الشتائم واللعنات وغالباً يكون الجزء الأكبر من نصيب جماز السحيمي !

لكن بعد وقت غير قصير أكد بعضهم أنهم لاحضوا ابراهيم الصالح وهو يقف أمام باب المقهى يتحدث في الجوال متوتراً ومنزعجاً على غير عادته. وأكد لاحقاً أسعد الحلبي صاحب المقهى وهو يسترجع ذكريات ذلك الصباح المشؤوم أنه كان يعوي كجرو ويلعن أجداد السحيمي والهوامير!! لم يكن ذلك هيناً على خالد العلي، مرتْ ربعُ ساعةٍ الآن وصديق طفولته ابراهيم يذرع الرصيف أمام باب المقهى الزجاجي. بعد أن تلقى إتصالاً غريباً وهما يرتشفان القهوة التركية نهض من عنده وتركه يصارعُ تياراتِ الأفكار المؤذية، يراقبهُ في دهشةٍ وذهول. تولدت فيه مواقف متناقضة إلى أقصى حد، رغم إثارتها العطف لم تتخلى أبداً عن التساؤل. همّ خالد بالخروج إليه وتبديد الشك باليقين، نهض من كرسيه سار باتجاه الباب توقف ثم استدار وعاد إلى الطاولة. فضل أن يعطيه الوقت الذي يريده حتى يكون وحيداً.

غرق للمرة الألف في كوب القهوة وهو يتسائل ما الذي أعاد ترتيبَ ملامح ابراهيم بهذا الشكل وزَلزلَ أركان عالمه، منذ ساعات الصباح الأولى وهو مضطرب جداً رغم محاولاتي الجاهدة للتخفيف عنه. صرخ مشيراً بإصبعه في الهواء

اللعنة ، ليتكَ تتكلم أو تذهب للجحيم !

أحس بعدها بنوع من الهبوط الأقرب إلى الخجل دفعه إلى رسم ابتسامة مشوهه ونظرةٍ خابية تجوس في وجه صديقه الذي لاحظ انزعاجه من لعنة الإنتظار. إلتفت ابراهيم الى خالد، بعينين مبللتين بالدموع ووجهٍ شاحب. وقف يتطلع إليه من خلف الزجاج مودعاً ثم قفز امام سيارة تقطع الطريق ولم يعطي سائقها أبداً الوقت الكافي لـ يضغط على المكابح، فقط كان صوتُ دويٍ عم أرجاء الشارع كله وإهتز بسببه زجاج المقهى كما أكد مرتادوه أكثر من مرة. تقافز المارة وأصحاب الدكاكين إلى موقع الحادث. مذعورين وبدافع الفضول تحلقوا فوق المصاب الذي قذفته السيارة بضعة أقدام أمامها. سبقهم خالد و احتضن صديقه وصرخ

ابراهيـ ـم ابراهيم ..

كان جلياً أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة ودموع خالد تنسكب وتختلط بالدماء التي تغطي وجه صاحبه المهشم، مد يده وأمسك بقميصه وتمتم بكلام غير مفهوم، وأحد الأشخاص يصرخ أن لقنوه الشهادة و أخر يردد لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله. إنحنى خالد وأرخى اذنه لكن لم يكن الصوت واضحاً والحشود المحيطة به لا تدع مجالاً لأي شيء، إلتفت عليهم وقال بأعلى صوته

ابتعدوا يا اولاد الكلب ! ابتعدوا

الانسان يكون وحشا عندما ينهش الموت المقربين منه. سائق السيارة البيك آب خرج منها مفجوعاً من هذه المصيبة التي لحقت به. لم يستطع الكلام وهو يقترب من ابراهيم الغارق في دماءه لكن بعد أن تحسس جيبه الأمامي وتأكد من وجود بطاقة التأمين فيها قال في نفسه وهو يبتسم بخفيه

ماهمني .. الحمدلله أني لدي تأميناً يتكفل بديّة هذا اللعين !

اشار صاحب المقهى أسعد الحلبي الى الناس بالابتعاد للخلف قليلاً وتوسيع الطريق فقد كان صوت سيارة الإسعاف يدل على أنها قريبةٌ وربما أنها في أول الشارع . عندما تمكن خالد من سماع مايقوله ابراهيم قبل أن تخرج روحه إلى السماء وهو يتمتم وعيناها شاخصتين في وجهه أو السماء كان كل ماخرج من فمه ..

  • أنا ……

2

مرت ساعات اليوم برتابةٍ كريهه، رغم دوران عقارب الساعة وتغير الوقت إلا أنها ضلت تكرر مشهد المقهى وكل مرة بتفاصيل مختلفة عن سابقتها. وعندما خبت أشعة الشمس وتوارت خلف البنايات الشاهقة وساد الصمت المنذر في كل لحظة بالانفجار. الصمت المدوي الذي يعرف نقاط الضعف فينا جيداً. وإلتحم بالليل الطويل المثقل بالهموم والمعجون بالضنك الذي لا يتحرك فيه الهواء ولكن إن هبت الرياح كانت ساخنة غاضبة تحرق الوجوه و تملأ تقاسيمها بالغبار والأدران. هذا الإلتحام النزق يفجر المخاوف والهواجس بالقلوب ويقرع نواقيس الوجل والرهبة. إنه الليل الكئيب إياه يترك الباب مفتوحاً لأشباح ومخاوف الانسان الكامنة. إنه موت صديق، وليس بالأمر الهين الذي ترميه بسبع حجرات وتغلق الباب خلفه.

من حادث الاصطدام إلى ابلاغ أهل صديقه بخبر الوفاة لم يكن هناك شك لدى خالد أنه اسوأ يوم في حياته وأنه سيقضي بقية أيامه يتذكره جيداً. عاد إلى سكنه في وقتٍ متأخر جداً وتاه في أفكار كثيرة تشبه الكوابيس، أو السقوط في الجحيم، لم يستطع النوم ولم يرغب به ليس هذه الليلة بالتحديد!. تذكر أشياء للمرة الأولى، لم تخطر بباله من قبل ولم يفكر بها. يراها أمامه بوضوح أكثر من كل شيء. ذكرياتٌ من الأيام البعيدة جداً، كان لها رائحة خاصة، تنشقها الآن وغرق فيها مرة أخرى.

الموت يثير شهية البكاء والبكاء يطلب الوحدة ولا قدرة عليها. الموت ينادي على الدمع أن يهمر من العين وعلى الحزن يدق اطنابه في الصدر. تذكر الموت جيداً كل مرة يتعثر في الدرج صاعداً الى غرفته. درجة للذاكرة وعثرة للدمع. ملامح ابراهيم محفورة في ذاكرته – عينان سوداوان وانف معكوف مثل دلة القهوة العربية. والملامحة الحادة اياها ملامح البدوي التي لا تتغير مهما طال بها المكوث بالمدينة. السمرة والعبوس الذي لا تعكره ابتسامة ولاشيء يجعل للسعادة انعكاس في وجهه. أرتمى على سريره في نوبة بكاء جارفة.

تذكر كيف تعرف بـ ابراهيم والقدر التي جمعهما معاً لـ يعملا في نفس المكان ويكونا صديقين حميمين. وعادت له ذكريات رحلات القنص والسفر للخارج و الساعات الطويلة التي يقضيانها وحيدين تحت سماء نجد الصافية. تذكر كيف كان يضعه في مواقف محرجة ومضحكة. تذكر أشياء كثيرة وقديمة جداً ثم فجأة عاودته التساؤلات المزعجة حول الحادث، تفكر بذلك كله والليل لا ينتهي: ابراهيم و الاتصال والسيارة. لماذا انتحر؟ ما الذي دفعه لـ ينهي حياته هكذا؟ من كان المتصل؟. تسائل و فكر ولم يصل إلى جواب مقنع ثم بكى كالأطفال.

عندما حل الصباح، توجه الى مقر الشرطة لإكمال بعض الاجراءات الروتينية كما قال له الضابط المسؤول بالأمس. طرق عليه الباب وألقى التحية ثم جلس على الكرسي المقابل لـ طاولة الضابط.

شاركني !

نظر إليه الضابط وأشار إليه بمشاركة طعام الأفطار لكنه رفض بلباقة ولطف مدعياً أنه تناول افطاره قبل أن يأتي مباشرة إلى هنا.

أتدري أكثر مايحرني في ماحصل بالأمس أنه حسب المعلومات الوارده ان صديقك ابراهيم حياته تسير بطريق جيد وأحواله المادية أكثر من ممتازة.

فضل خالد الصمت على أن يقول شيء ولكن خوفه الأعظم كان أن ينهمر في البكاء إذا تحدث عنه.

هناك شيء أريد أن تساعدني فيه .

أضاف الضابط وهو يقلب بين الأوراق ، واستخرج ورقة صغيرة تحوي رقم هاتف محمول. وطلب منه إن كان يعرف من صاحب الرقم وما علاقته بـ ابراهيم

لا أعلم !

كان رد خالد وتبع بهز رأسه دلالة النفي ثم أشاح بنظره بعيداً عن عيني الضابط المتفحصتين.

غريب ! فـ الجوال مغلق و غير مسجل باسم احد، أمرٌ مؤكد أن له علاقة بالحادث . لكن لا عليك يا خالد هذه مهمتنا نحن !

صمت قليلاً بعد أن حاول أن يقرأ الأفكار التي تجول في رأسه، وأن يسعفه الحدس في معرفة مايتمتم به صدره، ثم أضاف وهو يبتسم

الآن أريد منك أن توقع على المحضر مشكوراً فقد كان من الواضح جداً أن حالتك بالأمس لا تسمح بذلك !

و أعطاه قلماً وطلب منه أن يقرأ المحضر ثم يوقع عليه.

انصرف خالد من مركز الشرطة على عجالة، مشى بخطوات قصيرة، سريعة ومضحكة في نفس الوقت. كانت أشبه بالهروب! وعندما وصل سيارته، اندس فيها بسرعة وأدار المحرك وانطلق بعيداً وهو يلتفت وراءه مخافة أن يلحق به أحد. وردد بأسف لا أستطيع أن أفعل هذا بـ ابراهيم ليس وهو الآن ميت. لا أستطيع أن أخبرهم أنه رقم سلوى“. وفتح زجاج نافذته وبصق في الهواء ثم قال وأقول لهم أني على علاقة بها ايضاً !

5 Responses to “كلب صيد”


  1. 1 yazz8 13 أبريل 2010 عند 04:48

    كنت اريد اكمال النص منذ وقت طويل. لم اجد اللياقة ابداً .. وحقيقةً كانت النهاية اشد سوداوية في مخيلتي مما ترونهم امامكم الان. لم اعد سوداوياً كما كنت سابقاً . : ) .. اتمنى ان تعجبكم كما هي . كل الود

  2. 2 غيمة 15 أبريل 2010 عند 03:22

    ..

    جيد,أن ينتهي بي اليوم بقراءة نص من بين
    يديك يشبع الجزء الأيمن من عقلي
    المتصلب من الدوام …

    _ تعجبني النهايات الخبيثة : )
    و سعيدة جداً أن أتممتها يا بطل ..

    وردة زرقاء ,

  3. 3 ياسر 16 أبريل 2010 عند 04:52

    سلمت يا صديق الغربة على نص أقل سوداوية من “دهّام”

    كم وددت لو أنك حفظت بعض من سوداويتك السابقة لمناسبة هذه الحكاية

    لكن لا يهم ، فالقصة تفوح بالإبداع … وليت لو أن سلوى لم تغلق جهازها

  4. 4 ياسر 15 مايو 2010 عند 03:12

    غمية وياسر

    لم اكن اتجاهلكما ابدا
    لكني والله نسيت

    متشكر جدا يارفقة

  5. 5 نوبات الهلع 3 مارس 2013 عند 14:53

    Thanks for finally writing about >كلب صيد | تفاصيل صغيرة <Liked it!


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 48,907 hits

%d مدونون معجبون بهذه: