سديم

صوت المنبه أصبح مزعجاً، كأنه يصدر من رأسي. دائما يتربص بأحلامي ويفاجئها قبل النهاية، يُخلف مكانها التساؤلات. ربما يأتي نفس الحلم غداً وأرى وجه فارس أحلامي. أستيقظ مذهولة فزعة، الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً، لازال لدي متسعٌ من الوقت كي أتجهز للذهاب إلى الكلية. أنهض من السرير وعيني على أختي سعاد، أخشى أن يتمكن المنبه من حلمها أيضاً. أمشي على رؤوس أصابعي كما تفعل اللصوص. تتقلب بتذمر، تضع الدثار على وجهها. أتعثر بـ حقيبتي في الظلام. ” يوووهـ ” تصرخ أختي وترفع الوسادة، تضعها فوق الدثار المُكوم على وجهها. أقترب من النافذة، الستائر تتموج بهدوء، تداعبها هبات النسيم محملة بـ عبق الطبيعة، ازيح الستائر ويصافح وجهي النسيم، أتنفس بـ عمق. الهواء النقي سبب في الطمأنينة كما يقول أبي. أطل على إم دسمان، القرية الصغيرة في بطن الوادي. أعمدة الإنارة المبعثرة في أرجائها لا تحقق رغبتي في تأمل بيوتها المتراصة وطرقاتها المتعرجة، سوى النخيل الشامخات المحيطة بالقرية، بتركيزٍ أكثر أستطيع رؤية رؤوسها. صياح ديك في البعد، يأتي متقطعاً جارحاً لحظات الصمت والسكينة في البلدة. الحياة هادئة جداً في إم دسمان، لا أحداث تحدث جلبة كبيرة تقع فيها، عدا الأفراح والجنائز. أهلها مترابطين بصلة الدم والمصاهرة، حتى الغرباء عندما يأتونها ويقيمون فيها لـ فترات طويلة، يمتزجون فيها ولا تتمكن من التفرقة بينهم وسكانها المحليين. أغلق النافذة، وكما تفعل اللوصوص بحذرٍ شديد أمشي على رؤوس أصابعي خارجة من الغرفة.
معجون الأسنان شارف على النهاية، لم يتبقى منه سوى القليل. أتفحص وجهي في المرآة، البثور اللعينة في إزدياد، مقدمة أنفي استسلمت بدورها لها, يبدو شكل أنفي مقزز ومضحك في نفس الوقت ( ليس لي على الأقل). أتوضأ وأهبط الدرج متجهة إلى المطبخ.
صوت أمي يأتيني كـ النسيم، وقور ومريح
– صاحية بدري، سديم !
ألتف نحوها ، مُقبلةً رأسها. يعتلي وجهها ابتسامة رقيقة. عيناها الواسعتان، وترديدها لآيات الحفظ لي من كل حرز تبعث الطمأنينة في قلبى. أجيبها مبتسمة .. ” قهوة البنات عليّ اليوم يايُمه.”
ستة فناجين أضعها في السلة بجوار ترمس القهوة. أخرج الترمس وأسكب لها فنجاناً، تتذوقه بطرب وتبتسم. القهوة جيدة إذن، اليوم لن تتمكن صديقاتي من ايجاد شيء يتذمرن منه. ربما هند، هذه الفتاة تكرهني بلا سبب واضح. أحك أنفي !
تُصر أمي أن أخذ الساندوتشات التي تقوم بتجهيزها .. أضيفها للسلة ، ثم أقوم بمراجعة ملاحظاتي التي دونتها حول رواية ” الشيخ والبحر “. اليوم سأقوم بتسليمها لأستاذة الأدب الإنجليزي. أصعد الدرج وأذهب إلى غرفتي.
تفاجأني سعاد بصوتٍ مثقل بالنوم يأتي من تحت الوسادة.
– غداً تتخرجين وتنامين بجانبي !
أشعل الضوء، أتجاهلها وألقي نظرة طويلة ومتفحصة على دولاب الملابس، الحيرة تنتابني فيما أرتديه. وجه “أم علي” – مسئولة النظام- المتجهم والعابس أبدا بتجاعيده الموغلة في الزمن يظهر من بين الملابس، أستعيذ من الشيطان، تهرب الفكرة من رأسي. الوسادة ترتطم بالدولاب وتقع جانبي، تنهض أختي من سريرها، تنظر إلي من بين أهدابها، بـ عينيها المملوئتين بالغمص والمتذمرتين من هروب النوم، تبتسم وهي تقول
– لا تحلمين بالوظيفة ، لا تروحين وارتاحي من رحلة العذاب اليومية.
– متى تعرفين أني رايحة أتعلم وليس للبحث عن وظيفة !
أرمي عليها الوسادة، تضحك وتشير إلى التنورة السوداء والقميص الأبيض المعلقين على الحائط منذ البارحة. أغلق الدولاب وأرتديهما بسرعة. أربط شعري للخلف، تسريحة الشعر الخاصة بالكلية، أحياناً أكتفي بجعله ذيل حصان كما تطلق عليها بقية الفتيات، إن وجدت الوقت الكافي لتصفيفه. أضع كحلاً خفيفاً على عينيّ. حديث أختي يجول في رأسي، لا أستطيع طرده وليس لدي رغبة للنقاش في هذا الوقت. لو لم أنتسب للكلية وأجلس بالبيت، هل سأحتمل الفراغ. الفراغ يأتي بالكسل ، والكسل يجلب العزلة والعزلة أمر خطير. يدفع الشخص الى التوحش من الناس وفي حالاتٍ شاذة من نفسه أيضاً. يقول والدي أن الإنسان تسحقه فترات العزلة الطويلة، يفتته الصمت إلى ذرات، تبعثرها الظنون و تحملها رياح الوساوس بعيداً! يتراكم في مكان آخر، تسكنه الشكوك وتعجنه بالارتياب والمخاوف تحت لهيب الفراغ ويرجع مرة أخرى، مشوهاً مريضاً !
تمد لي سعاد مسحوق اخفاء العيوب، تضحك بسخرية، تردد بصوت عالي وهي في طريقها للخروج من الغرفة..
– إيــه تتعلمين ! ، غداً تتزوجين جندي بالحرس الوطني، مايعرف الفرق بين همنغوي والهمبرقر.
نعم أتعلم ، أركض وراء حلمي القديم منذ الصغر، أتخصص في الأدب الإنجليزي، هذا أقصى ما أريده الآن، هذه هي قمة طموحاتي في الوقت الراهن. لم يكن المال هدفي ولن يكون. أنا راضيةٍ تماماً وقنوعة بإحلامي الصغيرة. أريد أن أقول لها كل ذلك لكنني أكتفي بالصمت. أفتح العلبة، أضع من المسحوق على وجهي، على البثور بالتحديد، خاصة تلك التي بمقدمة أنفي. أتفحص وجهي بالمرآة مرة أخرى، لم تعد البثور بارزة كما في السابق، أتذكر هند وحقدها المستغرب عليّ، دائما كنت أعاملها مثل أختي، حتى أمي لطالما عاملتها بطيبة وحنان كبيرين، ولطالما اعتبرتها واحدة من بناتها. لماذا تكرهني؟! على مايبدو أن تفوقي الدراسي هو السبب، بالاضافة إلى تشدقي أمامها بجمل من اللغة الإنجليزية، كونها لا تجيد تحدثها يجعلها دائما تطالبني بالصمت ( أعترف أني أحياناً أتعمد إغاضتها). هي الغيرة ربمّا، أو أن أرواحنا لم تأتلف. صوت المؤذن يصدح منادياً لـ صلاة الفجر، أصلي ركعتي الفريضة قبل أن ينتهي المؤذن وأرتدي عبائتي وأنزل.
الظلام يحيط بكل شيء، يغير ملامح الأشياء يعطيها أبعاداً جديدة، مخيفة، مضحكة أحياناً. ” لماذا لم يصلح أبي المصباح ، سأطلب منه ذلك عندما أعود ، مع القليل من الضوء سأتمكن من رؤية موضع قدمي”. سابقاً كنتُ أرتجف من العتمة أما الآن إعتدتُ على الأمر تماماً كما أصبحتْ عادة لـ أمي أن ترافقني إلى باب المنزل. في أول الأيام عندما إلتحقت بالكلية كان الخوف من العتمة يتملك مفاصلي، يتحكم بأطرافي ويسكن جوراحي. قبل أن يصير ممجوجاً بالعادة ويصبح قلقاً تتسارع معه نبضات القلب ثم يحوره الوقت إلى هاجسٍ وهن يتربص باللحظات الضعيفة الشاردة من سلطة العقل. معي حقيبتي وسلة القهوة أتأكد من كل شيء مرة أخرى، هدير حافلة نقل الطالبات يقترب من المنزل بوق الحافلة يسبقها. وأنطلق لـ أسابق شعاع شمس يزيح غموض الطرقات.

1 Response to “سديم”


  1. 1 zaweyati 16 سبتمبر 2008 عند 03:16

    حياتنا مملوئة بـ العقبآت ،و ها نحن نوآجهها بـ تمعّن ..و تمرّ كـ عادتها بـ إنتظام ،أجعلي حياتك مليئة بـ التفاؤل ،و اجعلي الأمل هو طريقك الذي تسلكينه !دتي بـ ودّ


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 49,133 hits

%d مدونون معجبون بهذه: