خبرة تعاسة

سحقاً كلهم قابعون في الظلام، يلوكون الحزن و يتجرعون التعاسة. أعني كل أولئك الناس التعيسين البائسين الذين يموتون لأجل ارضاء الرغبة المزعجة في البحث عن الخلاص لدى الناس الآخرين. صدر يبكون عليه. حائط يرتطمون فيه. ماهمني ربما الأطباء النفسيين أو الحكماء، سحقاً لهم بعدد شعر رأسي. ما لا أفهمه فيهم هو أن يذهبون إلى البؤساء انفسهم. الأسوأ من ذلك أن البعض منهم يتجهون إليّ من أجل المساعدة. لماذا؟ لأنه من الواضح أني إن لم أكن مثلهم فـ أنا أكثر منهم تعاسةً. و الغريب أنهم يعوّن ذلك جيداً!
تباً ، أنا تعس جداً، إن لم تعرفوا حتى الآن أنا شخص بائس وأعشش في الظلام منذ زمنٍ سحيق. أوه لا لا، أنا أقتات من الظلام. وأتعجب إذا كان بإمكاني البقاء على قيد الحياة للأسبوع القادم! في حين أن الأناس الذين يحادثونني لا يرون فيّ إلا شهادة خبرة في التعاسة . دائماً يقولون ” أووه يا ياسر، أنت تعس جداً. أنت تعس لوقتٍ طويل، هل تستطيع مساعدتي ؟ أنا أكثر تعاسة منك الآن”. هذا ما أرد عليهم أبدأ بتوضيح مدى تعاستي و بؤس حياتي! -أصبحت أحفظ هذه جيداً- وكيف أحاول بصعوبة أن احافظ على الاستمرار على قيد الحياة لليوم التالي. وعندما أكون في حالة سيئة لا أحسد عليها أخبرهم أن السر في المحافظة على الابتسامة و التفكير بقليلٍ من التفاؤل؛ وكأن الابتسام يفيد شيئاُ . قبل ذلك أوصيهم بتطبيق الحكمة التي تسببت في المحافظة على ديمومة حال الفقراء ” القناعة كنزٌ لا يفنى”.
الناس مضحكين جداً ..
لكن لا أعتقد أني سأقوم بذلك بعد الآن, فيما يبدو أني الوحيد الذي لازال يظن أن هذه المعتقدات يمكن أن تغير يومك. لـ أكون صادقاً أكثر، أنا لا أبتسم و متشائم لأبعد حد، تفكيري سوداوي و خبيث جداً. كذلك أناني و جشع و طماع و يمكنكم اضافة كل الأمور السيئة التي يمكنكم التفكير بها و التي لا يمكنكم تخيلها إلى سيرتي الذاتية. وصدقوني أن معرفة أن حياتهم تعسة و بائسة لهذه الدرجة يجعلني أدنو من رسم ابتسامة خبيثة على محياي ، ويهبني دفعة صغيرة لمواصلة العيش لـِ يومٍ آخر.
لكن أحياناً يكونون مصدر تعاستي !. إنه شيءٌ نزق جداً ، كريهٌ و منتن أن لا يكونوا أكثر تعاسةً مني و مع ذلك يلجأون إليّ. تباً لهم ، ماذا يريدوني أن أفعل ، لستُ طبيباً نفسياً و لا كهلاً مسناً يحمل في تجاعيده الكثير من الحكمة. ولستُ أخصائي اجتماعي ولا أجيد الانصات لأحد. لستُ من الأولياء الصالحين ، أووه لستُ من الصالحين أيضاً ولا أملك مصباح علاء الدين اللعين و لا عصاً سحرية لجعل يومهم أفضل. سحقاً لا أستطيع تغيير العالم من أجل أحد ، بالكاد أستطيع التعايش معه بحالته هذه. لو كان لدي القدرة على مساعدتهم ، أعني لو كنت الوحيد القادر على ذلك لن أحرك قيد انمله. أنا لا أكترث حقاً . هل يريدون أن يكونوا سعداء على حسابي ؟!
الحقيقة أننا للحظات بسيطة نكون غير تعسين ثم نعود لحالتنا الطبيعية. بغض النظر عن حالة اللاتعاسة أيام الطفولة، و إن كنتُ أعلّلها بـ قلة إدراكنا لمَ حولنا. فكلما زاد ادارككَ لم حولك ازدادت تعاستك، هكذا أخبرني صديقي العزيز دوستفسكي عندما قال “شدة الإدراك مرض .. مرض حقيقي خطير”.. حياتنا ليست إلا طريق طويل نزق، ذو مسار واحد لا يمكن العودة فيه للوراء، لا توجد به استراحات للتوقف. طريق طويل بائس من أجل الحصول على لحظة سعادة يتيمة!

0 Responses to “خبرة تعاسة”



  1. اكتب تعليقُا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 49,133 hits

%d مدونون معجبون بهذه: