جمعة أسود

12 سنة مضت الآن ، أقول أكثر من 12 سنة مضت الآن . أكثر من 144 شهراً ، أكثر من 4380 يوماً . يالله كم من الوقت نحتاج حتى نعي مرارة الفقد . أذكر أني لم أبكي إلا بعد السنة التاسعة ، التاسعة بحق السماء . أي قلب حملته طيلة هذه السنوات !

مازلت أذكر يوم الجمعة الأسود تماماً – وكم أصبحت كل الجمع سوداء بعده – أقول مازلت أذكر الجمعة السوداء كما أذكر خيبتي واسمي . والدي سافر وحيداً إلى مكة، سافر وتركنا خلفه في صباح يوم الخميس . تركنا عراة خلفه لـ يوم جمعة أسود، للفجيعة المُرة ولـ عجائز القرية يقضمن أرواحنا بما تبقى لديهن من اسنان . ألله في كل مكان، ألله هنا وهناك با أبتي ليتك عرفت قبل أن يصبح الجمعة أسوداً وتحيطنا عجائز القرية بسواد عبائاتهن . عادل ابن الجيران طرق الباب بالحجارة وبـ أضافره السوداء . عادل الولد القصير الأسود والسمين إياه الذي كنتُ أضرب كل يوم جمعة من أجل المتعة . الفتى الأبله إياه طرق باب الحديد بالحجارة وخدش الطلاء الأبيض بسواد أضافره الأربعة . كنا نريد نصب شبكتين كبيرتين لـ بابيّ ملعب الكرة، الملعب الغبي خلف المسجد الجديد الذي بناه أعيان البلدة بالخرسانة والحديد . الكرة الغبية المصنوعة من صوف الضان التي حاكته العجائز طيلة الشتاء الماضي .

أقصد أنه لاشيء تفعله في نهار الجمعة عدا ركل الكرة. أني لا أجيد لعب الكرة ولم ألعبها يوماً. أبتي يعرفني أكثر من غيره، الفتى الذي لاينفع لشيء ولا شيء ينفعه، هو أنذا كما يقول عندما تجتاحه رغبة اشعال السجائر التي لا تنطفيء إلا في مؤخرة رأسي . إنني لا أجيد حتى رعي صغار الاغنام ولا أعرف تلقيح النخيل و لا حتى اصلاح السواقي التي نبشتها الجرذان بالحقل الشمالي من القرية . قضينا وقت الظهيرة مع بقية شباب القرية تحت شمس الصيف، صيفنا الجحيم الذي يعرفه أبتي، نحفر الأرض عن العشب الذي لاينبت ونثبت الأعمدة في روغة الرمل . كل شباب القرية اجتمعوا من اجل ذلك . يالسخافتهم ! من أجل مبارة أخرى يهزمون فيها . هم مثلي لاينفعون لشيء أيضاً، البغال تركل الكرة أفضل منهم . أخبرتهم الشتاء الماضي والمطر يتسخ بوجوههم ويغسل أرجلهم أن كل مايحتاجون إليه بغلٌ يركل الكرة أفضل منهم لكنهم أكثر غباءاً من أن يعرفوا ذلك . إنهم يريدون الركض كـ الكلاب خلف كرة ملفوفة من الصوف نحو الشبكة اللعينة في عصيّرة يوم جمعة .

كل اللعنات دائماً تحدث في الظهيرة و الشمس فوق رؤوسنا . عندما تكون السماء والأرض في مخاض لتنجب لعنة في يوم حدث أن يكون يوم جمعة في القرية الـ تلتهما رمال الصحراء . أقول اللعنة عندما تُعمي حبات العرق المتساقطة من أعلى جباهنا العيون وتحترق الأرض من تحت أقدامنا الحافية . أخي الصغير كان يركض من البيت باكياً، هَرباً من الجمعة الأسود ولم أدري ولم يدري أبتي وهو يطوف حول الكعبة في طهر متوشحاً البياض . أخي الصغير كان يركض حافياً في شمس الظهيرة و يعض طرف ثوبه المرقع وهو ثوبي يوم كنتُ أعرف أن أكون ساذجاً بما يكفي لأتجاوز قبلات نساء القرية على خدي الأيمن . ركضت وراءه كـ البغل وشباب القرية يركضون خلف كرة الصوف، صرختُ باسمه ولم يلتفت . توقف عند برادة المسجد تحت المنارة الشرقية . توقف للبكاء، توقف من أجل أن يملأ حياض الماء من دموعه . يسقي عابري السبيل الذي لا يأتون إلا في أوقات الفجيعة من عينيه . صرخت فيه ولم يتكلم . أقول صرخته وبكيته ولم يتكلم ، فقد القدرة على الحديث منذ الجمعة الأسود تحت منارة المسجد الذي بناه أعيان البلدة بالخرسانة والحديد أمام ملعب الكرة اللعين وأبتي يطوف حول الكعبة في طهر متوشحاً البياض . تركتهُ هناك كـ المجنون يذرف دمعه من أجل حياض ماء عابري السبيل وركضتُ كـ البغل للبيت وشباب القرية ليسوا خلفي ولا خلف كرة الصوف . الملعب لم يصبح جاهزاً ولن يكون في يوم جمعة أخرى . والشبكة مرمرية جنب الأعمدة في شمس الظهيرة في فصل صيفٍ لا تأتِ فيه البغال .

عجائز القرية، هن غربان الفجيعة المرة اللاتي يحمن حول جيف الموت في ظهيرة جمعة أسود . النعيق المستحق بعد حقيقة الفقد . أقول النواح واللطم بالأحذية بعد الفقد . أي الصراخ المشع في حياض ماء عابري السبيل المليء من دمع عينيّ أخي الصغير الذي فقد القدرة على الحديث . عجائز القرية؛ قطعان الماعز السوداء بثغائهن حول قطعة خبز مبللة ومرشوشة بالملح؛ في فناء المنزل حول أمي وأختي وهن تبكيان . هكذا تبكيان وتقتلعان العشب الأخضر من أرض البيت الذي كان عادل يخبرني أنه يصلح لـ ملعب كرة من غير وجود بغال تعرف جيداً كيف تركل الكرة أفضل من شباب القرية . هكذا تبكيان والذهول كما الفجيعة لايعترف بالوقت ولو أنه يوم جمعة مشمس . ليتك يا أبتي لم تأتِ في يوم السبت وأنا لم أبكي بعد على وفاة أختي

– مسوده فقط

2 Responses to “جمعة أسود”


  1. 1 حَمَام زاجِلْ 15 يوليو 2008 عند 05:33

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهمرحباً يا مبدع ، استمتعت جداً بالتجول هنا جئت من مدن الجمال أقف أمام بابك أحمل بين يديّ قنديلكلي أمل أن تضيئه معنا في مجمتع هاديء وأنيق نختار فيهأعضاءنا بأنفسنا من هنا :http://www.qnadel.net/حريصون جداً على وجودك معنابشوق ننتظرك: )

  2. 2 ياسر البدر 5 أغسطس 2008 عند 19:45

    يا أهلاً بالحمامةسيكون لي الشرف 🙂


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 49,413 hits

%d مدونون معجبون بهذه: